orignal.bmp

مشتاق بن موسى اللواتي

إنَّ الباحثَ في الفكر الفقهي للمسلمين، وتحديدا فيما يتعلق منه بقضايا المرأة، يجد أنَّ الاجتهادات الفقهية المعروفة لا تزال سائدة فيه بشكل عام. ويلاحظ في الوقت ذاته أنَّ المراجعات الفقهية النقدية، ومن قبل الفقهاء المختصين في نفس المناهج -على قلتها- متواصلة ولم تتوقف. بل استطاع بعضُ الفقهاء اختراقَ بعض ما كان يُعتبر من المسلَّمات الفقهية في قضايا المرأة؛ وعلى رأسها: قضية أهلية المرأة لتولي مواقع السلطة، كما سيتبيَّن من هذه الدراسة الموجزة.

يُقرِّر غالبية فقهاء المسلمين -حسب دراساتهم الفقهية- عدم أهلية المرأة لتولي مواقع السلطة؛ ولهذا اشترطوا فيمن يتولى الحكم أو رئاسة الدولة أن يكون رجلا. وأكَّدوا على اشتراط الرجولة فيمن يزاول القضاء ويتولى سائر مناصب الولاية والسلطة.

وفي ضوء هذا الموقف، فإنَّ المرأة -وإن توافرت فيها الاشتراطات الراجعة إلى الاستقامة والكفاءة المهنية، وحازت في دراساتها العلمية والشرعية على درجة عالية من الاجتهاد- فإنها بحكم كَوْنها امرأة لا يجوز لها أنْ تتولى مناصب السلطة والولاية كرئاسة الدولة والقضاء وما شاكل.

وهناك موقف فقهي آخر -وإن كان محدودًا- أجرى مراجعة نقدية للتأصيلات الفقهية السائدة في هذه القضية، وأعاد النظر فيها وانتهى إلى مشروعية أن تتولى المرأة بعضَ مناصب الولاية سواء بشكل كلي أو جزئي.

وثمَّة رأي فقهي جديد لدى فريق من الفقهاء والمفكرين آخذ في التشكل والتبلور، يحمل نظرة مغايرة؛ فلا يُميِّز في هذه القضية بين الرجل والمرأة، ويرى أهلية المرأة لتولي جميع مناصب السلطة فيما إذا أحرزت الاشتراطات العامة التي تؤهلها لذلك. ومع التطور الذي يحرزه البحث في هذه القضية، فإنه -ومع ذلك- لا يزال مُثقلا بتراكمات النظرة الثقافية والاجتماعية والفقهية التاريخية.

وقد يظنُّ البعض أنَّ طرح هذه المسألة جديدٌ في بحوث الفقه عند المسلمين؛ وذلك بسبب الانفتاح الفكري ونتيجة التطور الاجتماعي والسياسي وتقدم الفكر الحقوقي في هذا العصر. ولكن في الواقع -ومع عدم إغفال أهمية تأثير العوامل السابقة- فإنَّ فقهاء المسلمين بحثوا هذه المسألة منذ القدم، ووقع الخلاف بينهم حولها، كما هي الحال في بقية المسائل الفقهية، حسبما سيتضح من الدراسة.

أبرز المواقف الفقهية حول القضية:

ولأغراض هذه الدراسة، تم تقسيم مواقف الفقهاء والمفكرين المسلمين من هذه القضية إلى ثلاثة مواقف رئيسة.. هي:

الموقف الأول: حُرمة تولي المرأة جميع مناصب السلطة.

الموقف الثاني: مشروعية تولي المرأة بعض المناصب مع بعض القيود.

الموقف الثالث: أهلية المرأة لتولي جميع مناصب السلطة.

وسنتطرَّق إلى هذه المواقف الاجتهادية تباعا.

الموقف الأول:

حُرمة تولي المرأة جميع مناصب السلطة:

يَرَى أصحابُ هذا الاتجاه حُرمة تولي المرأة أيًّا من مناصب الولاية والسلطة في الدولة؛ سواء على مستوى رئاسة الدولة أو القضاء أو الدخول في المجالس النيابية.

والولاية العامة هي السلطة الملزمة في شأن من شؤون الجماعة كولاية القوانين والفصل في الخصومات وتنفيذ الأحكام والهيمنة على القائمين بذلك، وحسب التعبير الفقهي الحديث، القيام بأعمال الولاية في إحدى السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية.

ويتجلَّى تفصيل الموقف خلال المحاور الآتية:

أ: حرمة تولي المرأة الحكم أو رئاسة الدولة: يذكُر الفقيه الظاهري ابن حزم (ت:456) في سياق حديثه عن الخلافة أنَّ جميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة. في حين أشار البغدادي (ت:429) إلى أن فرقة الشبيبية من الخوارج -حسب مؤرخي الفرق- نسبة إلى شبيب بن يزيد، أجازت إمامة المرأة إذا ما قامت بأمورهم وخرجت على مخالفيهم. وزعموا أنَّ غزالة أم شبيب، أو زوجته، كانت الإمام بعد قتله إلى أن قتلت. واستدلوا على ذلك بأن شبيبا لما دخل الكوفة أقام أمه على منبر الكوفة حتى خطبت.

وهذه الواقعة -إنْ صحَّت- فربما كانت في ظروف استثنائية اقتضت منها أن تتولى بعض الأدوار القيادية أثناء القتال، وبالأخص بعد مقتل شبيب، زوجها أو ولدها. واستسهل بعض مؤرخي الفرق أن يستنتجوا منها مقالة تضاف إلى سائر ما قيل فيهم.

وعلى العموم، أرجع أصحاب هذا الموقف منع المرأة من تولي السلطة إلى عدد من العوامل، بعضها شرعية وبعضها ثقافية، من قبيل النظرة التي ترى ضعف القدرات العقلية والفكرية والجسمية لدى المرأة. وأيَّدوا هذه النظرة ببعض النصوص الدينية -حسب فهمهم لها- الأمر الذي سنتناوله في بحث مستقل إن شاء الله تعالى.

فبينما رأى الماوردي الشافعي (ت:450) عدم جواز تولي المرأة مناصب الولاية لنقص النساء عن رتب الولايات.. وقرر العضد الإيجي (ت:756) أن النساء ناقصات عقل ودين. وفي العصر الحديث تبنى عدد من الباحثين ذات الموقف، وإن اختلفت أدبياتهم.

وعللوا اشتراط الذكورة في رئاسة الدولة العليا بكون الرجل أقدر على توليها من المرأة.  ولأن رئيس الدولة في الإسلام له صلاحيات واسعة خطيرة الآثار والنتائج، فهو الذي يُعلن الحرب ويقود الجيش ويقرِّر السلم والمهادنة أو الحرب بعد استشارة أهل الحل والعقد، ويتولى خطابة الجمعة وإمامة الناس في الصلوات، والقضاء في الخصومات. ويرى الدكتور مصطفى السباعي أنَّ هذه الوظائف الخطيرة، لا تتَّفق مع تكوين المرأة النفسي والعاطفي بل حتى الجسمي.

وحسب هذا المنظور، فإنَّ الرجل أقدر من المرأة وأكفأ وهو مقدم عليها، ويرى أنَّ إجازة تولِّي المرأة الرئاسة العامة للدولة تقديمٌ للمرأة على الرجل وقد أخَّرها الله تعالى.

ويبدو أنَّ بعض الآراء السابقة تنطلق من النموذج التاريخي لنظام الخلافة الذي تشكل بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- واستمر -على تفاوت- في الدولة الأموية والعباسية والسلطنة العثمانية، كما يرى هذا الفريق.

وبالفعل تأثَّر بعض الباحثين بنظام الخلافة التاريخي، ولهذا صاغوا رؤاهم عن النظام السياسي الاسلامي على غراره. واسترشدوا بتنظيرات وأدبيات المتكلمين وفقهاء الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية -والتي تكيفت مع التاريخ السياسي- واستعاروا نفس المسميات والألقاب، وأسقطوا نفس الأوضاع والشروط والمفاهيم من قبيل الخليفة والإمام والأمير والنسب القرشي وحالة تعدُّد الأئمة وولاية العهد وتعدد ولاة العهد وولاية المتغلب…وما إلى ذلك من قضايا مرتبطة بتطورات نظام الخلافة في التاريخ، وصاروا يسقطون مواصفات واشتراطات الخليفة التاريخي على رئيس الدولة. ولما طبقوا بعض خصائص وسلطات الخليفة التاريخي على رئيس الدولة، استلزم استدعاء نفس المنظور الفقهي والثقافي الذي يُقصي المرأة من هذه المواقع، ومن ثم صار اشتراط الذكورة والرجولة فيها من قبيل تحصيل الحاصل.

كما طرحت اجتهادات أخرى حديثة في الفقه السياسي الإسلامي ضمن سياقات تاريخية واجتماعية وفقهية مختلفة؛ حيث استلهمت من فكرة الإمامة عند مُتكلمي الإمامية؛ وذلك في حال غياب الإمام المنصوص عليه عن الساحة الاجتماعية. وانتهى التنظير فيها إلى طرح فكرة الولاية العامة للفقيه النائب، وفكرة ولاية الأمة أو المزج بينهما. ويلاحظ أنَّها لا تختلف كثيرا -في القضية المبحوثة- عن بقية الآراء الفقهية لدى المسلمين.

وأغلب الفقهاء الذين بحثوا في نظام الحكم الاسلامي طبقا لهذه التنظيرات، اشترطوا أيضا الرجولة فيمن يتولى الحكم أو رئاسة الدولة.

ويُلاحظ أنَّ السيد الخميني (ت:1989) -وهو المرجع الأبرز الذي بلور نظرية ولاية الفقيه العامة، وناضل من أجل إقامة دولة تقوم على الشريعة الإسلامية طبقا لهذه النظرية- ركز في بحوثه المتعلقة بهذا الموضوع على أهم شرطين في نظره؛ هما: العلم بالفقه الإسلامي، والعدالة، ولم يُشر إلى شرط الرجولة. وقال: والشروط التي ينبغي توفرها في الحاكم نابعة من طبيعة الحكومة الإسلامية، فإنه بصرف النظر عن الشروط العامة كالعقل والنبوغ وحسن التدبير، هناك شرطان مُهمَّان؛ هما: العلم بالقانون الإسلامي، والعدالة. وأضاف في بحث آخر له، شرطَ الكفاءة ضمن العلم أو منفردا؛ فقال: “لا بد في الوالي من صفتين هما أساس الحكومة القانونية، ولا يعقل تحققها إلا بهما؛ أحدهما: العلم بالقانون، وثانيهما: العدالة، ومسألة الكفاءة داخلة في العلم بنطاقه الأوسع، ولا شبهة في لزومها في الحاكم أيضا، وإن شئت قلت: هذا شرط ثالث من أسس الشروط”.

ويُلاحظ أنَّه لم يصرح في كليهما بشرط الذكورة. ولعل ذلك راجع إلى أنَّه كان بصدد التنظير لأصل فكرة إقامة الدولة الاسلامية -عند غياب الإمام المنصوص عليه في نظر الإمامية- القائمة على أساس ولاية الفقيه -حسب منظوره الاجتهادي- ولم يكن بشأن بحث جميع التفاصيل المتعلقة بها. وربما لذلك، لم يرد إثارة النقاش في مثل هذه المسائل التفصيلية في تلك المرحلة السياسية. ولعله كان يرى أنها من الشروط العامة المفروغ منها، ومن ثم فلا تحتاج إلى الإشارة إليها. ولهذا؛ اقتصر على أهم الشروط الداخلة في أصل الموضوع، كما أوضح في عبارته الأولى السالفة. ولكنه -في الوقت ذاته- أفتى باشتراط الذكورة في القضاء. وهذا قد يعني أنه يشترطها فيمن يتولى السلطة العليا من باب أولى؛ حيث يشترط بعض الفقهاء الذكورة فيمن يتولى السلطة العليا بالأولوية؛ بناءً على اشتراطها فيمن يتولى القضاء؛ نظرا لاعتبارهم القضاء من مناصب الولاية، ولوضوح الموقف الفقهي حوله لديهم.

يقول الشيخ المنتظري: إنَّ القضاء شعبة من شعب الولاية، بل من أهم شعبها، بل هو أولا وبالذات من شؤون الإمام. وعلى هذا، فاشتراط الذكورة في القاضي لعله يقتضي اشتراطها في الولاية، لاسيما في الإمامة الكبرى أيضا.

ب: حُرمة تولي المرأة لمنصب القضاء:

يتخذ هذا الفريق نفس الموقف التحريمي من تولي المرأة للقضاء، ويشترط في القاضي أن يكون رجلا. أما سبب ذلك فمرده إلى ذات التعليلات الدينية والثقافية التي سبقت في بحث السلطة العليا، وسنشير إلى بعضها كما وردت في كلماتهم.

فالماوردي (ت:450) عند تعداده شروط تقلد القضاء، قال إنَّ “الشرط الأول منها أن يكون رجلا وهذا الشرط يجمع بين صفتين، البلوغ والذكورة، ثم قال: وأما المرأة فلنقص النساء عن رتب الولايات. ويلاحظ أن الماوردي لم يشر إلى شرط الرجولة ضمن شروط الخليفة؛ لأنه أمر مفروغ منه، ولكنه صرَّح به عند حديثه عن شروط من يتولى القضاء على نحو القاعدة الكلية.. مشيرا إلى أنَّ المرأة هي دون تولي رتب الولايات “.

وإليه ذهب جمهور فقهاء السنة، قال ابن رشد (ت:595): واختلفوا في اشتراط الذكورة؛ فقال الجمهور هي شرط في صحة الحكم. وهو ما يلزم من وجوده صحة الفعل ومن عدمه عدم صحته.

واستدل ابن قدامة الحنبلي (ت:682) على المنع بما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أبي بكرة: ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.. ثم قال: ولأن القاضي يحضر في محافل الخصوم والرجال ويُحتاج منه إلى كمال الرأي وتمام العقل، والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي، ليست أهلا للحضور في محافل الرجال ولا تقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة مثلها، ما لم يكن معهن رجل! ولعله يقصد في موارد معينة، وإلا فهناك موارد تقبل فيها شهادة النساء منفردات ومنضمات.

وأدْرَج الطوسي (ت:460) -من الإمامية- شرطَ الرجولة ضمن الكمال من شروط القضاء، وقسم الكمال إلى كمال الخلقة وكمال الأحكام. وكمال الأحكام أن يكون بالغا عاقلا حُرًّا ذكرا، ثم قال: فإن المرأة لا ينعقد لها القضاء بحال.

وذلك لأنَّ المرأة -في نظرهم- ناقصة الأهلية من الناحية الشرعية لولاية القضاء.

وقال في كتاب “الخلاف” -وهو من أقدم الكتب في الفقه المقارن لمذاهب للمسلمين: لا يجوز أنْ تكون المرأة قاضية في شيء من الأحكام، وبه قال الشافعي. ورأى عدم وجود دليل على الجواز، وقال: الجواز يحتاج إلى دليل؛ لأنَّ القضاء حُكم شرعي فمن يصلح له يحتاج إلى دليل شرعي. والظاهر أنَّه يُحيل إلى أصالة عدم ولاية أحد على أحد إلا بدليل. واستدل على المنع بما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “لا يُفلح قوم وليتهم امرأة”. وقال أيضا: أخروهن من حيث أخرهن الله.

ووافقه على هذا الموقف جُملة من الفقهاء؛ مثل: ابن البراج (ت:481)، والمحقق الحلي (ت:676)…وغيرهما.

ومن فقهاء الإباضية الذين نصُّوا على شرط الذكورة في القاضي: محمد بن إبراهيم الكندي (ت:508)؛ حيث قال: والمرأة لا تكون قاضيا لقوله صلى الله عليه وسلم: “أخرجوهن من حيث أخرجهن الله”، وفي نسخة: “أخروهن من حيث أخرهن الله”، وعلى هذا جماعة من العلماء؛ مثل: أبي بكر الكندي (ت:557)، وخميس الشقصي (ت.ق:11). كما صرح به أحمد المرتضى من الزيدية (ت:840).

ويتبنَّى هذا الرأي كثيرٌ من الفقهاء المعاصرين؛ مثل: السيد الخوئي، وسيد سابق…وغيرهما. ويعلل بعض الباحثين ذلك بأنَّ القضاء يحتاج لزيادة الذكاء والفطنة وكمال الرأي والعقل، والمرأة ناقصة في ذلك، قليلة الخبرة بأمور الحياة وحيل الخصوم، إضافة إلى ما يعرض لها من عوارض الطبيعة على مرَّ الأيام والشهور والسنين مما يُوهن جسمها وفهمها، فهي لا تصلح لتحمل مشاق القضاء.

ويتَّضح من كلمات بعض الفقهاء أنَّ ثمة ترابط واضح بين الرئاسة العليا وبين القضاء، لوضوح أنَّ القضاء في عُمقه مزاولة للولاية والسلطة، يقول ابن رشد (ت:595)؛ فمن رد قضاء المرأة شبهه بقضاء الإمامة الكبرى.

بل يظهر من بعض البحوث الفقهية أنَّ شرط الذكورة في القضاء هو من الأمور الواضحة التي ادَّعى فيها الإجماع؛ لهذا رأينا بعض المتأخرين اشترطوا الذكورة فيمن يتولى منصب الحاكم الأعلى بالأولوية، بناءً على اشتراطها في القضاء.

وأيًّا كان، فإنَّ بعض التعليلات المتعلقة بالطبيعة التكوينية للمرأة، تغلب عليها سمة التعميمات الخطابية، فلم تستند إلى دراسات علمية متخصصة تثبت نقصان الذكاء والفطنة والتعقل عند المرأة. كما أغفلت إسهامات المرأة ونجاحاتها في المجالات الادارية والسياسية والعلمية والثقافية على أثر التحولات الاجتماعية والسياسية في التاريخ الحديث. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الدكتور ألكسيس كاريل (ت:1944م) -الحائز على جائزة نوبل في البحوث الطبية- كان يؤكد على وجود اختلافات عميقة بين الرجل والمرأة تتعدَّى الاختلافات الجسمية، وكان يرى أنَّ كل خلية من خلايا جسم المرأة تحمل طابعَ جنسها، والأمر نفسه صحيح بالنسبة لأعضائها، وفوق كل شيء بالنسبة لجهازها العصبي. وكان يرى أنَّ الجهل بهذه الحقائق الجوهرية أدى بالمدافعين عن الأنوثة إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقى الجنسان تعليما واحدا، وأن يمنحا قوى واحدة ومسؤوليات متشابهة. ودعا النساء إلى أن يُنمين أهليتهن تبعا لطبيعتهن دون أن يُحاولن تقليد الذكور، فإن دورهن في تقدم الحضارة الإنسانية أسمى من دور الرجال، فيجب عليهم ألا يتخليَّن عن وظائفهن المحددة.

ولكن: هل -لا تزال- هذه القناعة سائدة في الدراسات المتخصصة بعد التطورات العلمية الكبيرة في هذه المجالات؟ إنَّ هذه القضية موكولة إلى المختصين فيها ليبيِّنوا الموقفَ العلميَّ منها.

جحُرمة تمثيل المرأة في المجالس النيابية:

نظرَ فريقٌ من الفقهاء إلى أعمال مجالس الأمة التشريعية والرقابية على أنها شكلٌ من أشكال مزاولة الولاية على الأمة؛ من خلال: سنِّ القوانين والأنظمة، واعتبروا ذلك في حقيقته مزاولة للولاية والسلطة على الناس. لهذا اعتبروا المشاركة فيها تعني الاشتراك في السلطة التشريعية وهي وجه من أوجه الولاية في البلاد؛ لأنَّ الولاية كما تتمثل في الجهة التي تنفذ القوانين كذلك تنطبق على الجهة التي تشرع تلك القوانين وتشرف على تنفيذها. والواقع أنَّ هذا التكييف يتفق مع تصنيف الفقه الدستوري الحديث الذي يعتبر هذه المجالس تجسيدا لإحدى السلطات الثلاث في الدولة؛ وهي: التشريعية والتنفيذية والقضائية. ولما كان المبنى الفقهي العام لهذا الفريق من الفقهاء هو حُرمة إسناد مناصب الولاية والسلطة إلى المرأة، فقد صرَّحوا في ضَوْئه بحرمة دخول المرأة للمجالس النيابية (البرلمانية)، وإن كان التشريع فيها غير مُنافٍ للحكم الإسلامي. وأرْجَعه السيِّد الخوئي أيضا إلى نفس العامل التكويني السابق، وهو قصور تفكيرها وقلة تدبيرها وعدم بلوغها مبلغَ الرجال غالبا. ولأن الإسلام لم يعطها الولاية على أولادها حتى مع فقد أبيهم؛ فكيف يمكن أن يسمح لها بتولي أمور الأمة وما يرجع إلى شؤونهم من جهات شتى. بينما فسَّر بعضُ الفقهاء تحريمَ تولي المرأة للسلطة بأنه نوع تمييز بين الرجل والمرأة، وتقسيم للدور بينهما حسب الفوارق الطبيعية بينهما.

ومن جهةٍ أخرى، وضمن موقف المنع، يرى الدكتور السباعي جواز دخول المرأة للمجلس النيابي، من حيث المبدأ، غير أنَّه يمنع من تحققه في الواقع بناءً على منافاته لمبادئ التشريع الإسلامي -حسب رأيه- فهو من الناحية الأولية يجيزه على اعتبار أنَّ مهمة هذه المجالس تتكون من التشريع والرقابة، وبناءً على تكييفه للمهمتين المذكورتين بالاجتهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكنه يعود فيقرِّر أنَّ مبادئ الإسلام وقواعده تحول بين المرأة وبين استعمالها لهذا الحق، لا لعدم أهليتها، بل لأمور تتعلق بالمصلحة الاجتماعية. فرعاية الأسرة تُوجب التفرغ، واختلاط المرأة بالأجانب عنها والخلوة مع الأجنبي محرم في الإسلام، وكشف المرأة لغير الوجه واليدين محرم في الإسلام، وسفر المرأة وحدها خارج بلدتها دون محرم لا يبيحه الإسلام. وهذه الأمور الأربعة -كما يرى- تجعل من العسير -إن لم يكن المستحيل- على المرأة أنْ تُمارس النيابة في ظلها. إنَّ طبيعة النيابة وما تقتضيه ستُوقع المرأة في محرَّمات يمنعها الإسلام منها. فهو يرى حُرمة العمل النيابي عليها لما يستلزمه من محرمات -حسب رأيه- وسدًّا لذريعة الوقوع في تلكم المحرمات. وقد يُرَد عليه بأنه لا تنافي بين الأحكام التي ذكرها وبين مزاولة العمل النيابي من قبل المراة المسلمة، مادامت لها الأهلية الشرعية. فالعمل النيابي لا يتطلَّب منها أن ترفع اليد عن تلكم الأحكام الفقهية التي ذكرها.

وذهب الأستاذ المودودي إلى أبعد من ذلك، حيث رأى أنَّ المناصب الرئيسية في الدولة، رئاسة أو وزارة أو عضوية مجلس الشورى أو إدارة مختلف مصالح الحكومة لا تفوض إلى النساء. ويُخالف التكييف الفقهي الآنف، مؤكدا أنَّ دور المجالس التشريعية لا يقتصر على التشريع وسن القوانين حتى يقال إنَّ بعض الصحابيات كُنَّ يمارسن الفتوى، ويتكلمن في مسائل القانون، وكان الخلفاء يستشيرونهن. بل إنَّ هذه المجالس تسيِّر بالفعل دفة السياسة في الدولة؛ فهي التي تُؤلِّف الوزارات وتحلها، وتضع خطة الإدارة، وهي التي تقضي في أمور المال والاقتصاد، وبيدها تكون أزمة أمور الحرب والسلم، وبذلك فهي لا تقوم مقام الفقيه والمفتي، بل مقام “القوام” لجميع الدولة. ويُمكن أن يرد على هذا الفريق بأنَّه مع الأخذ في الاعتبار التفاوت بين الأنظمة الرئاسية والبرلمانية والمختلطة، فإنَّ المجلس التشريعي أو النيابي يُمثل هذه السلطة ويُزاولها على نحو مؤسَّسي بمجموع أعضائه، ولا يزاولها كل عضو فيه بشكل فردي مستقل. ولا ينفي ذلك في الوقت نفسه أنَّ لكل عضو بمفرده دورًا فاعلًا في المداولات، وله رأي مؤثر في سن القوانين أو اعتمادها، وله صوت في مجمل القضايا التي يبحثها طبقا لمهامه الدستورية من إقرار المعاهدات والاتفاقيات الدولية ومناقشة الموازنات العامة والخطط الحكومية، وله موقف في منح الثقة أو حجبها عن الحكومات أو الوزراء. ولكن ليس بوسع النائب بمفرده أن يفعل شيئا ذا أهمية في هذا المجال، على عكس الشخص الذي يزاول السلطة منفردا.

وكيفما كان، فإنَّ هذا الموقف يكيِّف دور المجالس النيابية على أنه يدخل في صميم مزاولة السلطة والولاية وإدارة دفة الأمور في الدولة. وعليه يرى أنها مشمولة في أدلة التحريم، إضافة إلى أنَّ المشاركة فيها -حسب هذا المنظور- لا تتفق مع مجموعة من الأحكام الإسلامية الخاصة بالمرأة.

الموقف الثاني:

مشروعية تولي المرأة بعض المناصب مع بعض القيود:

ويذهب أصحابُ هذا الموقف إلى التفكيك بين طبيعة بعض المهام السلطوية. ويميل هؤلاء إلى مزيدٍ من التفصيل في مزاولة بعض السلطات من قبل المرأة؛ فيجيزون لها مزاولة بعض المهام وتولِّي بعض المناصب القيادية ضمن بعض الضوابط؛ وذلك على النحو التالي:

أ: مشروعية تولي المرأة لرئاسة الدولة في إطار محدد:

رَغْم أنَّ الموقفَ المتحفظ هو السائد عند فقهاء المسلمين من ولاية المرأة، إلا أنَّ بعضَ العلماء المعاصرين مَايزوا بين مزاولة السلطة في التجربة التاريخية للمسلمين وبين مزاولتها في الدولة القطرية الحديثة، وفككوا العلاقة بين منصب الخلافة التاريخي ومنصب رئاسة الدولة في الأنظمة المعاصرة .  و رأوا عدم صحة  قياس منصب رئيس الدولة على منصب الخليفة التاريخي، وفي ضوئه ، تم قصر أدلة المنع على منصب الخلافة العامة على المسلمين.

ومنهم الدكتور القرضاوي الذي يرى أنَّه مع التسليم بوجود إجماع بين الفقهاء على أنَّ المرأة لا تصلح للخلافة العامة والتي هي خلافة المسلمين جميعا، ولكن الرئاسة الإقليمية في الدول القطرية الحالية لا تدخل في الخلافة، إنما هي أشبه بولاية الأقاليم قديما. وبناءً عليه لا يمنع من ترشح المرأة للرئاسة أو تولي منصب رئاسة الجمهورية.

ويُمكن مُناقشة هذا الرأي بأنه مع التسليم بوجود فارق بين الخلافة العامة ورئاسة الدولة القطرية من ناحية مساحة الدولة وعدد السكان المولى عليهم وحجم المسؤوليات وما شابه، غير أنَّ رأي جمهور الفقهاء بعدم صلاحية المرأة للخلافة العامة -كما يتضح من كلماتهم- لم يكن ناظرا إلى هذه الناحية، بل إلى أهلية المرأة لتولي هذا المنصب، بصرف النظر عن بقية الفروق الزمكانية الاجتماعية والسياسية. ومما يؤيد ذلك أنَّ بعض الفقهاء السابقين عاصروا وجود ممالك وإمارات ودويلات في القرن الرابع الهجري وما بعده، وهي أشبه بالدول القطرية من بعض الوجوه، ومع ذلك لم نجد من الفقهاء -في حدود متابعتنا- من قرَّر جواز أن تترأسها المرأة أو تتولى الحكم والسلطة فيها، كما لم يرد عن أحدهم جواز أن تتولى المرأة ولاية الأقاليم. ولهذا فإنَّ مقاربة القضية من منظور الاجماعات التاريخية قد لا توصل إلى نتائج مغايرة؛ مما يستدعي النظر إليها من منظور فقهي واجتماعي مختلف.

وانتهى الشيخ شمس الدين في بحثه حول أهلية المرأة لتولي السلطة إلى مشروعية تولي المرأة لرئاسة الدولة بشرط أن يكون الحكم فيها مُقيَّدا بالشورى والمؤسسات، ولا يكون استبداديا فرديا؛ بحيث لا يمارس الحاكم سلطته على الناس وفقا لفهمه أو لهواه الخاص، بل يحكم بما تقتضي به مؤسسات الشورى التي انتخب الشعب أعضاءها باختيار حُر وإرادة حرة، وتمارس هذه المؤسسات سلطتها في التقنين والمراقبة بإرادة حرة؛ فالحاكم هنا يُمارس سلطته مقيدا بالشورى والمؤسسات والقوانين، ويخضع لمراقبة ومحاسبة الشعب بواسطة ممثليه المنتخبين من قبله بحرية وبواسطة رقابة مؤسسات المجتمع الأهلي.

ويبدو من هذا الرأي أنه ينطلق من أحد أمرين:

الأول: كأن سبب المنع الشرعي -عند من يراه- جاء للحيلولة دون استبداد المرأة في الحكم والسلطة، والذي يؤول إلى تراكم الأخطاء والمظالم، وليس لعدم أهليتها لذلك بكونها امرأة. والحال لا يظهر هذا المعنى في كلمات الفقهاء ولا في النصوص التي يستندون إليها، اللهم إلا فيما فهمه بعض ، من السياق التاريخي للواقعة التي ورد فيها حديث “لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة” بأن المقصود منها  الدولة الكسروية الاستبدادية.

 ثم إذا كان الاستفراد والاستبداد بالسلطة مذموما لما يسببه من مظالم، فإنه -والحال هذه- لا يكون مقتصرا على النساء دون الرجال، مع أنَّ الروايات التي يُستدل بها في المقام تختص بالنساء. كما أنه لا معنى لقصر هذه القيود على مزاولة المرأة للولاية دون الرجل.

الثاني: إنَّ تولي الرئاسة في دولة حديثة قائمة على دستور يفصل بين السلطات الثلاث، وينظم العلاقة بينها وبين المؤسسات الدستورية المنبثقة منه، من شأنه أن يحد من مساحة السلطة المخولة للحاكم. وعليه فليس من مانع أن تتولى المرأة السلطة في مثل هذه الدول، على اعتبار أنَّه وضع جديد غير معهود في عصر النص وفي أزمنة الفقهاء الذين نظروا وقعدوا قواعد الفقه السياسي؛ وبالتالي فإنَّ موردَ البحث خارج عن مورد بعض الروايات التي استدل بها على المنع.

ويُسجَّل لهذا التنظير الفقهي أنَّه قارب القضية المطروحة من جهة التحولات الموضوعية التي حصلت في مجال مزاولة الحكم بين الأساليب الفردية التاريخية وبين النهج المؤسسي في الدولة الحديثة؛ بحيث لم تعد السلطة شأنا فرديا في الأنظمة الدستورية الانتخابية الحديثة، والتي أكد على ضرورة التقيد بها. وعليه فإنَّ أدلة المنع -فيما إذا ثبتت- تكون ناظرة إلى النماذج الفردية السابقة، ولا تشمل النموذج المؤسسي الدستوري الانتخابي، لتغاير الموضوع وتبدله بشكل جوهري؛ الأمر الذي يتطلب مقاربة فقهية مختلفة.

ونظرا لأنَّ أدلة المنع ليست ناظرة الى هذه الحيثيات الموضوعية -حسب الموقف المتحفظ- حاول الشيح حسن الجواهري التوفيق بين بعض الآراء السابقة، واستقرب التنظير الآنف، مع مزيد من التقييد والتضييق لممارسة السلطة من قبل المرأة، وانتهى إلى جواز أن تتولى المرأة رئاسة الدولة؛ إذا كانت مقيدة بقانون أساسي وبمجالس تشريعية حكومية، وكانت بعيدة عن أي حكم يصدر منها بالاستقلال ولا تتصدى لأي حكم حكومي أو قضائي في التنازع، ولا لأي حكم شرعي أصلا، وطالما لا تعدو الرئيسة أنْ تكون منفِّذة للدستور ولما يصدر من مجلس الشورى من أحكام تنظيمية.

ويبدو أنَّ هذا الرأي هو بمثابة محاولة توفيقية جاءت تحت ضغط المتغيرات والمطالبات المعاصرة لإعادة النظر في هذه القضية لتتوافق مع التطور الاجتماعي والسياسي. ويظهر من الصيغة التي اقترحها أنَّها قريبة من مزاولة مهام الرئاسة في بعض الأنظمة البرلمانية؛ حيث يكون موقع رئيس الدولة فيها أقرب إلى موقع بروتوكولي شرفي منه إلى موقع تنفيذي سلطوي. ويلاحظ على هذا الرأي أنه أجاز للمرأة أن تتولى رئاسة الدولة على أن تكون مجردة من مزاولة أية سلطة حقيقية؛ وبهذا فهو في حقيقته وعمقه لا يجيز للمرأة تولي أي منصب من مناصب السلطة، وإن رخص لها بتولي رئاسة الدولة بالشكل المقترح.

ب: تولي المرأة القضاء في نطاق محدود:

اختلفَ النظرُ الفقهيُّ منذ القدم حول تقلد المرأة لمنصب القضاء؛ فأجازه بعضهم بعد أن فكك بينه وبين مزاولة السلطات الأخرى كالخلافة والولاية العامة. بينما ذهب فريق آخر إلى جواز أن تزاول المرأة القضاء بشكل جزئي وفي نطاق محدود.

وممن نُقل عنه القول بشرعية أنْ تتولى المرأة القضاء في نطاق معين، الإمام أبو حنيفة (ت:150). فقد نقل جماعة عنه، أنه أجاز للمرأة أن تتولي القضاء فيما تجوز فيه شهادتها ويشمل مختلف المجالات باستثناء المجال الجنائي. وذكر الماوردي (ت:450) عن أبي حنيفة أنه قال: يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح فيه شهادتها، ولا يجوز أن تقضي فيما لا تصح فيه شهادتها. وحسب الطوسي (ت:460) أنه -أباحنيفة- جوَّز لها أن تقضي في جميع الأحكام إلا الحدود والقصاص. وبتعبير ابن رشد (ت:595) أن تقضي في الأموال. ويستفاد من ابن قدامة (ت:682) أنَّ أبا حنيفة أجاز قضاءها قياسا على الشهادة. فنقل عنه قوله: يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود لأنه يجوز لها أن تكون شاهدة فيه.

وقد سار على هذا النهج بعض الفقهاء؛ فقد صرح الكاساني (ت:587) في بيان ما يصلح للقضاء: “وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة؛ لأنَّ المرأة من أهل الشهادة في الجملة، إلا أنَّها لا تقضي بالحدود والقصاص لأنه لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة”.

وذهب بعضهم إلى التفصيل في ذلك، كابن نجيم (ت:970)، وداماد أفندي (ت:1078)؛ فقد جوَّزا قضاءها لكونها من أهل الشهادة، ولكن أثم المولي لها، لحديث “لن يفلح قوم…”. وهذا يعني أنَّ بعضهم لا يجيز توليها ابتداء، ولكن لو قضت في غير حد وقود أو في غير المجال الجنائي صح قضاؤها ونفذ حكمها؛ لأنَّ الرجولة في القاضي عندهم هي شرط جواز وليس شرط صحة كما عند الجمهور.

وذكر الثميني (ت:1223) رأيا قريبا منه ولم يعقب عليه، قال: ولا يثبت حكم امرأة أو عبد وجوز إن حكما بالحق. وقد ذكره في صيغة المبني للمجهول مما يحتمل أنه لم يتبن هذا الرأي بل اكتفى بنقله.

ولا بد من الإشارة إلى أنَّ قياس القضاء على الشهادة قياس مع الفارق؛ فالشهادة بينة وطريق لمعرفة الواقع في مجال القضاء، ولا تستبطن أي إلزام، فضلا عن أن تقترن بمزاولة أي شكل من أشكال السلطة والولاية على عكس مزاولة القضاء. وقد تعرض قياس القضاء على الشهادة لبعض النقود النقضية من قبيل أن شهادة المرأة الواحدة هي نصف شهادة الرجل؛ فهل تكون امرأتان في القضاء في مقام قاض واحد؟ ويلاحظ على هذا النقد بأنه منطلق من المعهود التاريخي لمزاولة القضاء، وإلا ففي القضاء الحديث يمكن نظر الدعاوى من قبل قضاة متعددين.

وفي سياق البحث عن تولِّي المرأة للقضاء في بعض المجالات، يُستفاد من كلمات بعض الفقهاء المتأخرين، وجود ميل لديهم إلى جواز أن تفصل المرأة في بعض القضايا بين النساء. وإن كانت بعض الكلمات وردت في سياق نقدي لبعص أدلة التحريم.

ومن هؤلاء الفقهاء: المحقق الأردبيلي (ت:993)، وأبو القاسم القمي (ت:1221). قال الأردبيلي: أما اشتراط الذكورة؛ فذلك ظاهر فيما لم يجز للمرأة فيه أمر، وأما في غير ذلك فلا نعلم له دليلا واضحا، نعم ذلك هو المشهور. فلو كان إجماعا فلا بحث، وإلا فالمنع بالكلية محل بحث؛ إذ لا محذور في حكمها بشهادة النساء مع سماع شهادتهن بين المرأتين مثلا بشيء مع اتصافها بشرائط الحكم . بل رأى المجلسي الأول (ت:1070) إن شرط الرجولة الذي ذكره الفقهاء ليس عاما . قال : “الظاهر أنه في المنصوب الخاص”، وأضاف : “فلو كانت المرأة عالمة وقضت بين النساء أو الرجال المحارم فالظاهر عدم البأس ويحتمل التعميم وهو أحوط”، وكلامه واضح في جواز أن تقضي المرأة بين النساء والمحارم من الرجال؛ مما يعني أنَّ سبب المنع في نظره راجع إلى بعض الملابسات الثانوية المرافقة مثل ظهور المرأة في مجالس الرجال واختلاط الرجال بالنساء.

ويبدو واضحا من بعض الكلمات السابقة أنَّ التحفظ أو التردد في الموقف الفقهي -لدى بعضهم- راجع إلى عاملين؛ هما: دعاوى الإجماع وبروز المرأة بين الرجال في المحاكم. وليس إلى وجود دليل خاص ينفي أهليتها ويحرم عليها نظر الدعاوى والفصل في الخصومات وإنشاء الأحكام الملزمة ولو في نطاق محدد.

و الواقع إن القضية المطروحة تنصب حول مدى أهلية المرأة لتولي القضاء وإنشاء الأحكام القضائية الملزمة، وما إذا كان قضاؤها صحيحا ونافذا. وليس محل البحث بعض الحيثيات الخاصة بالطبيعة المجتمعية لمزاولة مهمة القضاء من قبيل بروز المرأة أمام الرجال الأجانب ووقوع الاختلاط وما شابه. وإن قيل بأهليتها في ذلك -ولو في الجملة- فإنَّ بقية الأمور يمكن إيجاد حلول لها. وعلى كلٍّ، فإنَّ القول بجواز قيامها بالحكم بين النساء يعني جواز توليها لمنصب القضاء في الجملة؛ وبالتالي القيام بالفصل في الخصومات وإنشاء الأحكام القضائية وهو من أقسام الولاية المهمة.

ج: تولي المرأة القضاء مطلقا:

إنَّ الموقف الذي سلكه إمام المذهب الفقهي المعروف أبو حنيفة النعمان، وبعض الفقهاء السالفين، مهَّد الطريق لمن جاء بعدهم لإعمال النظر في القضية والتدقيق في أدلة المنع.

وبالفعل؛ هناك من فكَّك العلاقة بين منصبي الخلافة وتولي القضاء، ورأى أنَّ أدلة تحريم مزاولة المرأة للسلطة منصرفة إلى الخلافة العظمى. وثمة مفارقة منهجية بين الاتجاهين؛ فبعض الذين ذهبوا إلى التحريم المطلق استندوا -فيما استندوا إليه- إلى قياس الأولوية، بناء على أدلة حرمة تولي المرأة للقضاء؛ وذلك نظرا لأنه شعبة مهمة من شعب الولاية في نظرهم. في حين أنَّ المجوزين للمرأة بمزاولة القضاء مطلقا صرفوا دليل التحريم ابتداء عن القضاء وقصروه على السلطة العليا ولهذا لم يحتاجوا للنظر في العلاقة بين السلطتين.

وقد ذهب بعض الفقهاء منذ القدم إلى تمام أهلية المرأة المستجمعة للشرائط في أن تتولى منصب القضاء بشكل مطلق، دون فرق بين القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية أو المنازعات التجارية والمالية أو القضايا الجنائية. فقد روي عن عبد الرحمن ابن القاسم من المالكية (ت:191) صاحب المدونة الكبرى، جواز ولاية المرأة.

واشتهرت نسبة هذا الرأي إلى كلٍّ من أبي جعفر الطبري (ت:310) المؤرخ والمفسر والفقيه الذي كان صاحب مذهب فقهي مستقل، وكذا إلى الفقيه الظاهري المعروف ابن حزم الأندلسي (ت:456). وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الرأي المنسوب إلى الطبري لم يرد في تراثه التفسيري والفقهي الواصل إلينا.

بل نقل جمع من الفقهاء هذا الرأي عن أبي جعفر الطبري؛ منهم: الماوردي (ت:450)، الذي كان يخالفه الرأي ويعتبره شاذا خارجا عن الإجماع؛ لهذا قال عنه “وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الأحكام. وعلَّق عليه بقوله: ولا اعتبار بقول يرده الإجماع مع قول الله تعالى: “الرجال قوامون على النساء…”…إلخ”.

ونقل الطوسي (ت:460) عن الطبري قوله: “يجوز أن تكون قاضية في كل ما يجوز أن يكون الرجل قاضيا فيه؛ لأنها تعد من أهل الاجتهاد”. وهذا يعني أنه لم يكن يرى قصورها أو عدم أهليتها مادامت من أهل الاجتهاد شأنها شأن الرجل في هذا المجال. ونسب ابن قدامة إلى الطبري أنه أسَّس رأيه الآنف بناء على جواز توليها الإفتاء وليس على مجرد تمتعها بملكة الاجتهاد. كما ذهب الفقيه الظاهري ابن حزم إلى جواز تولي المرأة للحكم والقضاء مطلقا ودون تقييد بمجال معين؛ فقد صرح: “وجائز أن تلي المرأة الحكم وهو قول أبي حنيفة”.

وبالاتساق مع هذا التوجه الإيجابي الذي يجيز تولي المرأة للقضاء مطلقا، ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أهلية المرأة لتولي القضاء مطلقا.

واستعرضَ السيد فضل الله في درسه الفقهي حول القضاء أدلة التحريم، وبعد محاكمتها ونقدها، انتهى إلى أنَّ مسألة عدم صحة تولي المرأة للقضاء وعدم نفوذ قضائها محل تحفظ علمي ولا يعضده الدليل. وتجدر الإشارة إلى أنَّه على مستوى الفتوى، اشترط الذكورة في مرجع التقليد وكذا في المتصدي للقضاء والقيادة العامة، وإن ألمح إلى أنَّ بعض الشروط مبنية على الاحتياط. ويقيد الشيخ القرضاوي الجواز ببعض الضوابط، كأن تتدرج المرأة في ذلك، فأول ما تعمل قاضية ليس بالضرورة أن تعمل في الجنايات، بل تبدأ بالأحوال الشخصية وشؤون الأسرة، وفي المحكمة الابتدائية ثم أعلى منها، وقد تكون في محكمة فردية أو محكمة مشاركة فيها كعضو من الأعضاء وهكذا، وعلى أن تكون مؤهلة لذلك. وكذلك يجب أن تكون في عُمر معقول، أي بعد أن تكون قد فرغت من الحمل والإرضاع وغيرهما، ولا بد أنْ يكون المجتمع مؤهلا ومتقبلا لذلك.

والواقع أنَّ هذه هي بعض الحُجَّج التي يستند إليها المتحفظون من تولي المرأة لهذه المناصب. ويبدو أنها محاولة لطرح رؤية تتفهم حجج المتحفظين وتراعي النظرة الثقافية للمجتمع. لقد تناولت الباحثة هدى هلال بالتحليل النقدي جُلَّ الأدلة النصية والقياسية التي استند إليها القائلون بالتحريم، وتوصَّلت إلى عدم قوتها أو عدم كفايتها من حيث الثبوت والدلالة. وقرَّرت أن العُرف الاجتماعي والثقافي كان له أثر كبير على تحريم المرأة من تولي القضاء.

وعلى صعيد آخر، يرى بعض الباحثين أنه ومع تحول القضاء إلى قضاء مؤسسي يشترك في الحكم فيه عدد من القضاة، فإنَّ مشاركة المرأة فيه لا تندرج تحت أحكام ولاية المرأة للقضاء بالمعنى الذي قرره الفقهاء في فقه القضاء؛ لأنَّ الولاية هنا ليست لفرد رجلا كان أو امرأة. ويمكن مناقشته -من منظور المتحفظين- بأنَّ هناك تلازمًا بين السلطة والقضاء. ومهما كانت ميزات القضاء المؤسسي وإيجابياته، فإنها لا تغيِّر من طبيعة القضاء كونه في عمقه مزاولة للسلطة وإصدار الأحكام الملزمة لهذا الطرف أو ذاك. غاية ما في الأمر، أنَّ القضايا لا يُنظر فيها من قبل قاض واحد، والأحكام لا تصدر عنه وحده، بل من قضاة متعددين يشتركون في نظر الدعاوى، ويُبدون آراءهم فيها ويشاركون بمجموعهم في إنشاء الحكم وإصداره. وعليه فإنَّ القضية تُعتبر من صميم مبحث مزاولة القضاء والسلطة من قبل المرأة، طالما اشتركت كقاضية مع مجموعة من القضاة في نظر الدعاوى والحكم فيها. نعم لو كانت علة المنع عندهم من قبيل نقص الكفاءة والخبرة أو عروض النسيان وما إلى ذلك، لكان يمكن تداركها عبر مأسسة القضاء، ولكن المناط لدى الفريق المتحفظ -في الغالب- هو افتقاد الأهلية لدى المرأة لطبيعتها الأنثوية في تولي القضاء؛ الأمر الذي لا يُمكن تداركه أو استكماله بأية طريقة. من جهة أخرى، ليس كل القضايا والدعاوى يحكم فيها قضاة متعددون، بل لا يزال أسلوب القضاء الفردي سائدا في المحاكم. ومع كل ذلك، فإنه لا يمنع من الإقرار بأننا أمام أسلوب جديد غير معهود في التاريخ الفقهي. فهل يعتبر هذا الأسلوب الجماعي في القضاء واقعة جديدة بما طرأ عليها من تبدل؟ وهل يشكل موضوعا جديدا غير معهود؛ وبالتالي يفترض أن يأخذ حكما جديدا؟ وإذا اعتبر كذلك فما هو الموقف من تشكيل هيئة قضائية من قاضيات متعددات فقط؟ وأيًّا كان، فإن الفريق المانع لا يعتبرها تحوُّلا جوهريا في طبيعة مزاولة مهمة القضاء ومن ثم فإن الموضوع في حقيقته وعمقه باقٍ على حاله.

د: تمثيل المرأة في المجالس النيابية:

انتهى بعض العلماء إلى أنَّ للمرأة أن تمثل في المجالس النيابية مع بعض الضوابط التوفيقية بين وظائفها الأسرية ودورها المجتمعي.

فيرى الدكتور القرضاوي أنَّ من حق المرأة أن ترشِّح نفسها لمجلس الشعب والنواب أو الشورى أو المجلس التشريعي الذي يُحاسب الحكومة ويراقبها ويصدر التشريعات والقوانين. غير أنَّه قيَّد مشاركة المرأة فيها بأنْ تكون قد فرغت من قضايا الحمل والرضاعة وبحيث يكون أولادها قد كبروا ونضجت تجربتها في الحياة. وقال: ليس معقولا أنَّ المرأة التي تحمل وترضع وعندها أطفال تذهب ترشح نفسها، لا يقول هذا عاقل ولا يرضى المجتمع عن هذا ولا يرضى زوجها ولا أقاربها.

وقد يُقال بأنَّ القيود المذكورة -سواء في مزاولة القضاء أو تمثيل المجلس النيابي- تدل على وجود القناعة الضمنية بأنَّ بعض خصائص المرأة ووظائفها الطبيعية والاجتماعية تحول دون قيامها بهذه الأدوار والمسؤوليات في المجتمع. وبمقتضىاها فإنَّ على المرأة -في الوضع الطبيعي- أن تنتظر زمنا معينا حتى يمكنها أن تتفرغ لهذه الأدوار القيادية في المجتمع، وربما تكون قد استهلكت حيويتها خلال المرحلة السابقة. ومن الناحية العملية، فإنه قد يفقدها ذلك فرصة اكتساب الخبرة العملية ومراكمة التجربة في هذه المجالات العامة. وثمة رأي حديث يُكيِّف مسألة اشتراك المرأة في المجالس التشريعية من منظور مختلف؛ فنظرا لأنَّ عملية التشريع والتقنين قد تطوَّرت في الدولة الحديثة من مجرد وظيفة فردية للحاكم إلى اجتهاد مؤسسات الصياغة والتشريع والتقنين، وبناء عليه -وحسب هذا المنظور- فإذا شاركت المرأة في هذه المؤسسات فليس بوارد الحديث عن ولاية المرأة لسلطة التشريع بالمعنى التاريخي القديم.

وبتعبير آخر، فحسب هذا الرأي تكون القضية بهذا التكييف خارجة عن أحكام الولاية تخصصا فلا تندرج تحتها. وكما سبق القول بأنه إذا اعتبر دور المجلس النيابي في التشريع والرقابة على الحكومة من شؤون الولاية ومزاولة السلطة كما هو عنوانها كسلطة تشريعية ضمن سلطات الدولة الثلاثة؛ فإنها بذلك لا تخرج عن مبحث الولاية والسلطة. غاية ما في الأمر أنَّ العضو في هذه المجالس لا يزاول السلطة بشخصه وبشكل مستقل ومنفرد، بل ضمن مجموع الأعضاء، وإن كان يظل له دور ورأي وصوت مؤثر ضمن المجموع؛ فهو بهذا قد يُعتبر مزاولا للسلطة التي أنيطت بمجموع الأعضاء أو للمؤسسة كشخصية اعتبارية؛ مما يتطلب تأصيلا جديدا ولا يكفي إسقاط نفس أحكام الولاية عليها، على أنَّه قيد ممارسة هذا الدور من قبل المرأة ببعض الضوابط الفقهية المعروفة من قبيل الاشتراط بعدم الخوف من الفتنة من جراء خروجها من البيت، وأن لا يفضي عملها إلى الاختلاط بالرجال أو إلى الخلوة، وأن يكون خروجها من البيت بإذن زوجها. وكما نلاحظ، فإنَّ بعض هذه الاشتراطات قد تعيق في نهاية الأمر مشاركتها في بعض هذه الأعمال؛ مما يجعل هذه الآراء، في النتيجة -ومن الناحية العملية- أقرب إلى الموقف المانع.

الموقف الثالث:

أهلية المرأة لتولي جميع مناصب السلطة:

ثمَّة رأي جديد يرى عدم الفارق بين الرجل والمرأة في توليهما لمناصب السلطة والولاية، إلا ما استثني بنص مُعتبر الإسناد واضح الدلالة، أو بدليل شرعي يكون في مستوى الحجية. وحسب هذا الرأي فإنَّ المرأة لها أهلية تولي مناصب الولاية من الناحية الشرعية متى استكملت الاشتراطات والمواصفات المقررة لذلك. وكَوْن متوليها رجلاً أو امرأةً ليس له مدخل في ذلك، بل إن المناط في الأهلية يقتصر على التخصص العلمي والمهني والكفاءة والجدارة والاستقامة. وبالاتساق مع القول بأهلية المرأة لتولي مواقع السلطة العليا المتمثلة في الحكم ورئاسة الدولة عند استجماعها للشروط التي تؤهلها لذلك، فإنَّ شرعية توليها لسائر مناصب الولاية الأدنى منها من قبيل الدخول في المجالس النيابية أو الشورية وما شاكل، يكون من باب أولى حسب هذا الاتجاه.

وقد تناول الشيخ الفضلي أدلة التحريم بالبحث والنقد، وانتهى إلى عدم وجود نص ديني مُعتبر واضح الدلالة يُمكن الاعتماد عليه في حرمة تولي المرأة الحكم. أما الإجماعات المدعاة في المقام، فلا تكشف عن دليل شرعي يركن إليه. ولم يثبت دليل على نفي تولي المرأة للإفتاء والقضاء بحيث يقتضي منهما نفي توليها الحكم بطريق أولى. أما إسناد مهمة القضاء تاريخيا إلى الرجل، فلا دلالة فيه على حرمة إسناده إلى المرأة؛ لأنه من قبيل المألوف الاجتماعي. وذهب إلى أنَّ الميل إلى اشتراط الذكورة آت من أنه الأمر الغالب؛ لأنَّ المجتمعات في أغلبها ذكورية درجت على إسناد منصب رئاسة الدولة للرجل بناء على هذا المنطلق.

وأكد على أنَّ اختلاف الزمان وتطور أوضاع المرأة التعليمية والثقافية والاجتماعية عبر إتاحة الفرص المتكافئة لها في التعليم والتزود بالثقافة وممارسة الفعاليات الاجتماعية جعلها مؤهلة للقيام بأعباء المسؤوليات الكبار، بل إنها أثبتت قدرتها من خلال التجارب على تحمل تلكم الأعباء بحيث أصبحت لا تختلف عن الرجل في ذلك.

كما صَرَّح الشيخ إسحاق الفياض -وهو أحد المراجع المعاصرين في الحوزة النجفية بالعراق – بأنَّ ثبوت الولاية العامة للمرأة المسلمة هو محل إشكال، بل منع عند أكثر الفقهاء، ولكنَّ الثبوت عندنا غير بعيد إذا توفَّرت شروط الولاية فيها من الأعلمية والعدالة والكفاءة…وغيرها. وأشار إلى عدم وجود الدليل على المنع إلا دعوى الإجماع. وأضاف: إنَّ تصدي المرأة في الدولة القائمة على أساس مبدأ حاكمية الدين للسلطة الحاكمة ومنصب القضاء والإفتاء مورد إشكال عند الفقهاء، وإن كان الأظهر جوازه عندنا إذا توافرت شروط هذا المنصب فيها.

وكذلك الحال بالنسبة لجواز الدخول في المجالس النيابية، بل يُمكنها أن تتولى رئاسة البرلمان وكذا رئاسة اللجان البرلمانية، بشرط توافر الكفاءة واللياقة والخبرة.

واستظهر جواز أن تتولى المرأة منصب الإفتاء الفقهي ومرجعية التقليد إذا توافرت فيها كافة الشروط المطلوبة. غير أنه في رسالته الفقهية العملية ينصُّ على اشتراط الذكورة سواء في مرجع التقليد  أو في القضاء. وقد ظهر مثله لدى عدد من العلماء حيث ينتهون إلى قناعة نظرية معينة غير أنهم يترددون في الإفتاء بها.

وأيًّا ما كان، فإنَّ هذا الموقف الفقهي جديرٌ بالاهتمام وتعميق البحث فيه، وإن كانت تواجهه بعض الإشكاليات الفقهية التي سبقت، إضافة إلى مشكلات ثقافية واجتماعية وسياسية من قبيل: مدى استعداد المجتمع العربي والمسلم -فضلا عن الأنظمة السياسية- لتقبل هذه الاجتهادات والتواؤم معها.

استخلاص ورأي:

إنَّ أول ما يسترعي النظر من دراسة تطور الموقف الفقهي حول أهلية المرأة لتولي المناصب القيادية؛ هو: غياب أي رأي فقهي للمرأة الفقيهة العالمة المتخصصة في العلوم الشرعية في هذه القضية المهمة. ولعلَّه ناتجٌ عن السياج الثقافي والاجتماعي والجدل التاريخي حول أهليتها لمزاولة تلكم الوظائف؛ مما نتج عنه غياب العالمة المتخصصة في الحقل الفقهي والحديثي، فضلا عن تشكل فريق من المتخصصات المتضلعات في مختلف العلوم الشرعية. وقد حان الوقت لأن تخترق المرأة المسلمة هذا السياج، فتدخل هذا المجال العلمي وتتخصَّص فيه وتنهي مرحلة “احتكاره ” من قبل الرجل. والمتوقع أنْ يكون لدخولها في هذا الحقل إسهامٌ إيجابيٌّ في تطوير البحث الفقهي المتعلق بقضايا المراة.

لقد تبيَّن لنا من الدراسة أنَّ المسلَّم به تاريخيًّا بين فقهاء المسلمين في هذا المجال هو عدم أهلية المرأة لتولي مناصب السلطة العامة. وثمة اتجاه فقهي قديم أجاز تولي المرأة القضاء في بعض المجالات، وظهر وجود ميل لدى بعضهم إلى جواز أن تتقلد المرأة القضاء بين النساء في نطاق ضيق في بعض قضايا الأحوال الشخصية. كما وجدنا في تاريخ المسلمين عددا من الفقهاء أجازوا لها أن تتقلد القضاء مطلقا في كل المجالات. وهذا الرأي الفقهي التاريخي كان محدودا ومخالفا للرأي الرسمي السائد؛ بحيث عبَّر عنه البعضُ بأنه رأي شاذ وخارج عن الإجماع. والواقع أن تميزه وفرادته تكمن في ذلك؛ الأمر الذي يتطلب مزيدا من الدراسة من منظور ثقافي اجتماعي سياسي للتعرف على خلفياته ودواعيه، وكيف استطاع أن يخترق السلطة الفقهية والسياسية المهيمنة ويتجاوز السياج الاجتماعي؟ والملاحظ أنَّ أصحاب هذا الرأي ينتمون لبيئات ثقافية متعددة واتجاهات فقهية مختلفة وكانوا في فترات تاريخية متفاوتة، فأحدهم من العراق وهو أبو حنيفة (ت:150) ويُمثل مدرسة الرأي والقياس، والثاني من مصر وهو عبد الرحمن ابن القاسم (ت:191) من أقدم فقهاء المالكية، غير أنه غلب عليه الرأي، والثالث من طبرستان من مدينة آمل وانتقل إلى العراق وعاش فيه حتى وفاته، وهو أبو جعفر الطبري (ت:310)، ويمثل اتجاها فقهيا مستقلا وكان في بيئة يغلب عليها التعصب لبعض اتجاهات أهل الحديث، والرابع من الأندلس وهو ابن حزم الظاهري (ت:456) ويمثل الاتجاه الظاهري. واللافت للنظر أنْ يجتمع على هذا الرأي فقيه ظاهري يعتمد الأخبار وفقيه يعتمد الرأي والقياس؛ الأمر الذي لا تخفى دلالته على الدارسين. ويبدو أنَّ السمة المائزة لهم هي الاستقلال في المنهج الاجتهادي مما حررهم من التقيد بالرأي السائد في ذلك.

وإذا تأملنا في المواقف الفقهية الثلاثة السابقة حول أهلية المرأة لتولي مواقع السلطة، فسنجد أنَّها بمجموعها تقترب من النظرة الثقافية المجتمعية العربية إلى طبيعة المرأة ودورها في المجتمع. إنَّ نظرة المجتمع العربي إلى المرأة تترواح بين نظرة تقليدية محافظة ترى أنَّ المرأة كائن ضعيف جسمانيا وعقليا، وتقتصر وظيفتها في خدمة الزوج والأمومة. ونظرة متوسطة تتسم بالحرية النسبية ولكنها تبقي المرأة منسوبة الى الرجل، وتعترف لها بحق العمل خارج البيت في نطاق محدود. ونظرة ثالثة تساوي بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات وإتاحة الفرص المتكافئة. إنَّ اللافت للنظر في التوجهات المعاصرة وجود رأي فقهي جريء يحاول أن يجد طريقه في التشكل والظهور، ويذهب في اجتهاده إلى أبعد ما يمكن تصوره في هذا الصدد، وهو القول بأهلية المرأة لتولي جميع المواقع القيادية ومختلف مناصب الولاية والسلطة دون استثناء في حالة توافر الشروط العامة المطلوبة من الرجل والمرأة على حد سواء. وينفي أصحاب هذا الرأي وجود أدلة واضحة على المنع، ويناقشون موقف التحريم ويرون أنَّ الأدلة التي اعتمد عليها تنطوي على ثغرات استدلالية لا يمكن التعويل عليها، بل يرجع بعضهم المنع إلى عوامل ثقافية واجتماعية وتاريخية.

و قد يستسهل بعض الناقدين توصيف الرأي الذي يحرم على المرأة تولي مواقع السلطة بالتأثر بالبيئة الاجتماعية ومحاولة المواءمة مع الموروث الثقافي. وفي المقابل، قد يندفع آخرون فيعتبروا بعض الاجتهادات المعاصرة بأنها تلوي أعناق النصوص مجاراة لبعض المفاهيم الوافدة. والواقع أنَّ الاندفاع في تبني الآراء المنسجمة مع التوجهات الحديثة ورفع اليد عن الأدلة والأصول العلمية أمر غير مقبول، كذلك الحال بالنسبة للجمود على المواقف الموروثة دون دليل واضح، بل لمجرد التهرب من توصيفات الخضوع للأفكار الوافدة، فإنه أمر غير مقبول أيضا؛ لأنه يُسهم في تكريس جمود الفقه الإسلامي بالجمود وعدم تواكبه مع حركة التطور الاجتماعي. كما أنَّه يضيق ما يفترض أن يكون موسعا على الناس؛ مما يُوقعهم في أنواع المشقة والحرج، ولكلا النهجين تداعيات وانعكاسات فاسدة. ولا تخفى أهمية المراجعة المنهجية للاجتهادات السالفة ومحاكمة أدلتها ونقد مبانيها بطرق علمية رصينة؛ الأمر الذي يُسهم في تطوير حركة الاجتهاد، وفي إغناء البحث الفقهي لكي يتواكب مع مقتضيات الحوادث الواقعة والتطور الاجتماعي المتسارع.

وأخيرا.. لا بد من القول: إنَّ التردُّد في حسم الموقف حول بعض القضايا الاجتماعية الحساسة يعتبر أمرا مفهوما إذا نظرنا إليه في سياق تأثيرات التراكم الفقهي والثقافي والاجتماعي التاريخي. كما أنَّه من الطبيعي أن تضغط التحولات العميقة التي تشهدها الحياة الاجتماعية والثقافية والفكرية على أهل الفقه ليقوموا بمراجعات علمية لبعض الآراء الفقهية الموروثة. ولقد بدا واضحا من الدراسة، وجود اختلاف في أساليب البحث وفي تكييف النظرة الفقهية إلى بعض أشكال السلطة وفي طرائق الاستدلال. وسوف نتناول ذلك بشيء من التفصيل في بحث مستقل بمشيئة الله تعالى…والحمد لله رب العالمين.

——————————————

الهوامش:

1- ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق خالد العطار، دار الفكر.

2- أبو الأعلى المودودي، نظرية الاسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، مؤسسة الرسالة، بيروت.

3- أبو جعفر الطوسي، المبسوط في الفقه، تحقيق محمد علي الكشفي، سنة 1387هـ.

4- أبو الحسن الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، سنة 1979م.

5- أبو القاسم القمي، غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام، طبعة حجرية، سنة 1319هـ.

 6- أحمد عبدالحميد ابراهيم، الرؤية الفقهية لتولي المرأة الوظائف القيادية ودورها في التنمية الإدارية، المنتدى العربي الأول بمسقط حول دور المرأة العربية في التنمية الإدارية، سنة 2011م.

7- الكسيس كاريل، الإنسان ذلك المجهول، تعريب أسعد فريد، مكتبة المعارف، بيروت.

8- حسين علي المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه، الدار الإسلامية، بيروت، سنة 1988م.

9- روح الله الخميني، الحكومة الإسلامية، مؤسسة نشر تراث الامام الخميني، سنة 2004م.

10- صباح حسن الزبيدي، تفعيل دور المرأة العربية والعراقية في إدارة التغيير المنشود وسبل النهوض بها، مؤتمر إدارة التغيير والاصلاح الاداري في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، دمشق، 2004م.

11- عبد العزيز بن إبراهيم الثميني، الورد البسام في رياض الأحكام، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.

12- عبد الهادي الفضلي، ولاية المرأة في الإسلام، مجلة المنهاج، بيروت، سنة 2006م.

13- محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.

14- محمد إسحاق الفياض، نموذج لمجموعة أسئلة حول موقع المرأة في النظام السياسي الإسلامي، سنة 1428هـ.

15- محمد تقي المجلسي، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، بنياد فرهنك اسلامي، إيران.

16- محمد مهدي شمس الدين، أهلية المرأة لتولي السلطة، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت.

17- مشتاق بن موسى اللواتي، الاتجاهات الفقهية حول أهلية المرأة لتولي السلطة، مجلة الاجتهاد والتجديد  ، بيروت ،  سنة 2016 م.

18- مصطفى السباعي، المرأة بين الفقه والقانون، دار الوراق، السعودية، سنة 1999م.

19-هدى محمد حسن هلال، قراءة تحليلية نقدية في الحكم الشرعي لتولي المرأة منصب القضاء، مجلة إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الاسلامي.

20- يوسف القرضاوي، للمرأة تولي الإفتاء والقضاء والرئاسة، موقع القرضاوي الإلكتروني،31-8-2009.

2,676 total views, 2 views today