Kitani

د. سعيد بن سليم الكيتاني

تربوي متخصص في قطاع التعليم بمستوياته المختلفة

منذ عقود عديدة كتب المفكرون العرب ولا يزالون يكتبون عن الفجوة بين النظرية والتطبيق في المجتمعات العربية ليس في المجال التربوي فقط بل في شتى المجالات المعرفية، فنحن متأخرون في تطبيق المعرفة لعقود طويلة بسبب تمسكنا بالقوالب التي وضعنا فيها أنفسنا أو وضعنا فيها الآخرون وعدم قدرتنا على تغييرها لأسباب اجتماعية وثقافية وسياسية، هذا على المستوى العام وبالنظر إلى علاقة المجتمعات العربية عموماً بالمجتمعات الأخرى الأكثر إنتاجاً للمعرفة والأكثر تطبيقاً لها، سواءً في قطاع التعليم المدرسي أو في غيره من القطاعات، وإذا نظرنا إلى الدول العربية على مستوى القطري الداخلي نلاحظ الظاهرة ذاتها من حيث العلاقة بين ما تعرفه كل دولة وما تطبقه على أرض الواقع، ولنأخذ قطاع التعليم المدرسي في السلطنة مثالاً على ذلك.

رغم الدراسات والبحوث التربوية العديدة التي أجرتها أو شاركت فيها السلطنة خلال العقود الماضية بالتعاون مع مؤسسات ومنظمات إقليمية ودولية، ورغم المئات من رسائل الماجستير والدكتوراه التي أعدها طلاب الدراسات العليا التابعون لوزارة التربية والتعليم أو لجامعة السلطان قابوس، ورغم نتائج الدراسات الدولية المقارنة التي شاركت فيها السلطنة خلال السنوات الماضية، رغم كل ذلك فإننا لا زلنا نجد نظام التعليم المدرسي العُماني ضمن آخر الأنظمة التعليمية على مستوى العالم، وقد فاجأتنا الصحف خلال الأشهر القليلة الماضية ببيان أن أداء الطلاب العمانيين موقعه هو قبل الأخير عربياً وليس عالمياً فقط!!

ومن التساؤلات المهمة التي تفرض نفسها في هذا السياق: هل يعود عجزنا عن تحقيق تقدم في أداء نظامنا للتعليم المدرسي إلى قلة المعرفة؟؟ هل نجهل أسباب تدني أداء نظام التعليم المدرسي وأن ذلك الجهل هو سبب عدم قدرتنا على تحقيق تقدم في الأداء؟؟ الجواب الحتمي على هذا التساؤل هو: لا، لأن الدراسات التي أشرت إليها أعلاه متخمة بتحليلات ونتائج وتوصيات تتصل بكل عنصر من عناصر منظومة التعليم المدرسي، وقد استندت إليها وزارة التربية والتعليم ومجلس التعليم ومجلس الدولة ومجلس الشوى في اقتراح خطط واستراتيجيات علاجية للتحديات التي يواجهها نظام التعليم المدرسي، هذا يقودنا إلى تساؤل آخر وهو إذا كنا لا نعاني من قلة المعرفة فلماذا نعجز عن التغلب على التحديات التي تواجه التعليم المدرسي ومن ثم تحقيق تقدم ملموس في أداء أبنائنا وبناتنا الطلاب؟

الإجابة الوحيدة الممكنة والمنطقية لهذا التساؤل هي أننا لا نطبق ولا نمارس ما نعرفه عن كيفية تطوير أداء المدارس وتحسين أداء المتعلمين، وبإجراء مقارنة بسيطة بين ما توصلت إليه الدراسات التربوية المحلية والإقليمية والدولية من ناحية وبين ممارساتنا سواءً على مستوى الوزارة أو المديريات بالمحافظات أو المدارس من ناحية أخرى يمكننا إثبات صحة هذه الإجابة، وقبل الدخول في تفاصيل عناصر المنظومة التعليمية يجدر بنا الإشارة إلى أن السياسة التعليمية الرسمية في السلطنة تقضي بأن يعدّ نظام التعليم المدرسي ذي الإثنتي عشرة سنة المتعلم للالتحاق بالتعليم ما بعد المدرسي مباشرة، وهو هدف سياسي تربوي تفشل الجهات المسؤولة عن تحقيقه بصورة متكررة سنوياً، حيث تشير البيانات إلى أن الغالبية العظمى لخريجي التعليم المدرسي غير قادرين عن الالتحاق بالتعليم ما بعد المدرسي مباشرة، بل لا بد لهم من الالتحاق بالبرامج التأسيسية في مؤسسات التعليم العالي لعام دراسي إضافي أو أكثر.

بالاستماع إلى مؤسسات التعليم ما بعد المدرسي بأنواعها المختلفة وقراءة تقاريرها المتعلقة بنتائج اختبارات القبول نصل إلى معرفة دقيقة وتفصيلية حول توقعات تلك المؤسسات من خريجي المدارس، فهي مجملاً تشير إلى الضعف المعرفي في مجالات الدراسة المختلفة وضعف مهارات التواصل وضعف مهارات البحث العلمي وضعف المهارات الشخصية المطلوبة في الحياة الجامعية، أوجه الضعف هذه تتكرر سنوياً مع تعاقب دفعات خريجي التعليم المدرسي منذ سنوات عديدة، والسؤال هو ماذا صنعت أو تصنع حالياً الجهات المسؤولة عن التعليم المدرسي لمعالجتها؟ هذا بعض ما نعرفه عن المشكلات التي يعاني منها خريجو المدارس وهي معرفة تؤكدها تقارير مؤسسات التعليم العالي سنوياً فهل تتضمن ممارساتنا سبل العلاج؟

على المستوى العام كذلك نعرف معرفة يقينية أن زمن التعلم الرسمي المتمثل في العام الدراسي في السلطنة غير كافٍ وهي معرفة تتكرر وتتأكد مع كل دراسة علمية تجريها وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع منظمات دولية، حيث فشلنا في الالتزام بمئة وثمانين يوماً دراسياً فعلياً، وهذا بلا ريب يفسر جزئياً تدني التحصيل الدراسي لخريجي المدارس، كما يفسر كذلك تأخر طلابنا في الدراسات الدولية المقارنة، حيث تشير تلك الدراسات إلى أن الطالب العُماني المسجل في المدارس الحكومية لا يحظى حقيقة بـ (12) عام دراسي، بل بأقل من ذلك بسبب قصر العام الدراسي وكثرة الإجازات ومشكلات الانضباط وغيرها، فأين الممارسات التربوية على مستوى الوزارة والمديريات بالمحافظات والمدراس عن هذه المعرفة اليقينية التي تؤكدها الدراسات؟

وعلى المستوى العام كذلك نعرف أن إدارة التغيير التربوي اليوم أصبح علماً قائماً بذاته له أصوله وأسسه التي ينبغي مراعاتها لدى طرح أي تجديدات تربوية في المدارس لضمان نجاح تطبيقها وجني ثمارها، كما نعرف أيضاً أن فشل إدارتنا لبعض التجديدات التي تم طرحها خلال العقود الماضية أدت إلى عجز تلك التجديدات عن الصمود في الواقع التربوي وبالتالي فشلنا في جني ثمارها، فهل ممارساتنا اليوم تراعي الدروس المستفادة في هذا الجانب؟ الحق هو أن الهياكل التنظيمية لوزارة التربية والتعليم وآليات العمل لديها ولدى مجلس التعليم وغيرهما من المؤسسات المعنية بشؤون التعليم المدرسي لا تزال كما هي، سلطوية تعمل في معزل من المعلمين والطلاب وأولياء الأمور والمجتمع عموماً، فهل من تجانس بين المعرفة والممارسة في هذا الجانب؟

وإذا دخلنا في تفاصيل عناصر منظومة التعليم المدرسي فنحن نعرف الكثير عن بناء المناهج وطرق التدريس استراتيجيات التعلم وأساليب تقويم أداء الطلاب والمعلمين وتحسين أداء المدارس إلى آخر ذلك من جوانب المنظومة التعليمية، إلا أننا كنا وما زلنا نعاني من عدم تركيز المدارس على إكساب الطلاب مهارات التفكير العليا بصورة كافية، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسة لتأخر نتائج طلابنا مقارنة بغيرهم في الدراسات الدولية المقارنة، ونعاني كذلك من ضعف أداء المعلمين عموماً بسبب ضعف الإعداد وتدني الرضا الوظيفي وغيرهما من الأسباب، فهل لدينا اليوم مبادرات تربوية جادة تهدف إلى التعامل مع هذه التحديات؟ هل من تجانس بين المعرفة المتراكمة والممارسات المتكررة في هذا الجانب؟

ممارساتنا التربوية في قطاع التعليم المدرسي لا تزال في مجملها كما هي رغم الكم المعرفي الهائل الذي توفر لدينا خلال العقود الماضية من عمر النهضة، وما لم تتغيّر تلك الممارسات إلى الأفضل في ضوء المعرفة المتوفرة فمن الصعب جداً توقع أي تحسن حقيقي في مستوى أداء مدارسنا وطلابنا، وستبقى نتائجنا كما هي في مؤخرة القائمة بالدراسات الدولية المقارنة إذا نحن لم نستفد من المعرفة التي توفرها لنا تلك الدراسات حول أسباب تدني تحصيل طلابنا مقارنة بغيرهم، ونتخذ خطوات جادة على كافة المستويات لتحسين ممارساتنا، ولا يكفي أن تتخذ تلك الخطوات بصمت من قبل مديريات ودوائر معينة في أروقة وزارة التربية والتعليم أو في مجلس التعليم بل لا بد أن تكون تلك الخطوات معلنة ويشارك فيها جميع المعنيين لتنجح ولتثمر.

وإذا كان هذا المقال يشير إلى وجود فجوة بين المعرفة والممارسة في قطاع التعليم المدرسي بالسلطنة، فلعل السؤال الأخير الذي يمكن طرحه هو لماذا تلك الفجوة؟ لماذا نستهلك كماً هائلاً من الموارد والوقت والجهد لإنتاج معرفة علمية قيّمة وثمينة ومهمة ثم لا نوظف تلك المعرفة كما ينبغي؟ لماذا نستمر في إجراء الدراسات والبحوث التي تكرر النتائج والتوصيات ذاتها بينما يبقى نظامنا للتعليم المدرسي كما هو في أحسن الأحوال أو يتخلف أحياناً كما تخبرنا وسائل الإعلام اليوم؟ ومن هو المسؤول عن هذه الفجوة بين المعرفة والممارسة؟ ربما إذا استطعنا الرد على هذه التساؤلات ومثيلاتها نستطيع أن نحقق بعض التقدم في أداء نظام التعليم المدرسي في السلطنة!!