د. يُوسف بن حمد البلوشي

يتعيَّن التنويهُ إلى أنَّ مَسَارات الاقتصادِ العُمانيِّ تتحدَّد طبقاً للسياسات الاقتصادية التي تتَّبعها الدولة خلال المرحلة الانتقالية التي أفْرَزَتها مُستجدَّات العولمة، والتغيُّرات في السوق النفطية، التي تستوجب اتباع سياسات مُعيَّنة للانتقال من النموذج الحالي للنمو والتنمية -القائم على الاستهلاك- الذي يُغذِّيه بصفة رئيسية الاستيراد، إلى نمُوْذج يعتمدُ بدرجة ملحوظة على زيادة الطاقات الإنتاجية المحلية في مُختلف الجوانب السلعية والخدمية، والذي لن يتأتَّي دون إحداث تغيير جذري للعديد من القناعات الحالية؛ للانتقال إلى طَوْرٍ جديدٍ من التنمية، يمكِّن أفراد المجتمع من التعامل بديناميكية وفهم حقيقي للمقوِّمات التي تبنى عليها مساراته الاقتصادية.

ووفقاً لبيانات البنك المركزي العُماني، نجد أنَّ القروضَ للأغراض الاستهلاكية تحتل نسبة كبيرة من حجم المحفظة الإقراضية للبنوك التجارية؛ مما يحرم الاقتصاد من توجيه الأموال بقدر كافٍ إلى الأغراض الإنتاجية. ومن جانب آخر، تلعب العوامل الديموغرافية المتمثلة في حجم الأسرة دوراً مهماً في تحديد حجم الاستهلاك، وكذلك الادخار في الأسرة العُمانية؛ حيث تُوْجَد علاقة عكسية بين زيادة عدد أفراد الأسرة ومعدل الادخار للأسرة؛ وذلك بافتراض ثبات دخل الأسرة. وبالنسبة للادخار والاستثمار، فإنَّ الوضعَ الحالي يتَّصف بضعف معدلات الادخار والاستثمار في السلطنة، خاصة الادخار والاستثمار الخاص الذي يُمثِّل إحدى ركائز التنمية المستدامة. ويرجع ذلك إلى ضآلة حجم الدخول نسبيًّا وزيادة حجم القروض؛ الأمر الذي ينعكسُ سلباً على مُستوى الادخار، والنتيجة استثمارات ضئيلة غير قادرة على خلق مستوى عالٍ من الوظائف وكذلك النمو. وعلى المستوى القومي، فإنَّ هيكل ميزان مدفوعات السلطنة يُعاني من ارتفاع حجم الأموال المحوَّلة إلى الخارج في شكل أموال لتغطية قيمة الواردات من السلع والخدمات أو تحويلات من أجور العمالة الوافدة أو تحويلات دخل الاستثمار الأجنبي في السلطنة؛ الأمر الذي يُؤثِّر في حجم الأموال المتوفرة للاستثمار المحلي.

هذا، ومن الملاحَظ أنَّ القطاع المالي يتركَّز في البنوك المتخصصة والبنوك التجارية التي تعتمد بدرجة ملحوظة في نشاطها على الإقراض لأغراض استهلاكية؛ الأمر الذي انعكسَ على ارتفاع نسبة مساهمة قطاع التجارة في إجمالي الناتج المحلي، وتراجع دور القطاع المالي في تمويل عملية التنمية. ولقد تبنَّت السلطنة العديد من السياسات -للتغلب على المعوقات التي تحول دون انطلاق الاقتصاد العُماني بالدرجة المنشودة- والتي من بينها: إنشاء بنك التنمية العُماني، والمحطة الواحدة، وصندوق الرفد، ومبادرات تنمية الموارد البشرية والقيمة المحلية المضافة…وغيرها، إلا أنَّ تأثيرها في إحداث التغيير المطلوب ظلَّ محدوداً، ويعزَى ذلك إلى أنَّ هذه السياسات تطبق على نطاق ضيق؛ سواء لعدم كفاية الأموال المخصصة لها، أو عدم إدارتها بالكفاءة المطلوبة، أو للسببين معاً.

وبالنسبة لسلطنة عُمان، زاد إجمالي الاستثمار خلال سنوات الخطة الخمسية الأولى (1976- 1980) من 671.3 مليون ريال عُماني إلى نحو 30 بليون ريال عُماني في الخطة الخمسية الثامنة (2011- 2016). واعترافاً بأهمية تكوين رأس المال السنوي للمحافظة على النمو في سلطنة عُمان، فقد أوْضَحت البيانات التي أعلنها المركز الوطني للاحصاء والمعلومات أنَّ إجمالي تكوين رأس المال بلغ نحو 7082.2 مليون ريال عُماني؛ أي ما نسبته 26.9% من إجمالي الناتج المحلي في العام 2011م، مقارنة بنحو 977.2 مليون ريال عُماني (12.5% من إجمالي الناتج المحلي) في العام 2002. أمَّا إجمالي الادخار المحلي كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي، فقد زاد زيادة كبيرة من 33.1% (نحو 1502.3 مليون ريال عُماني) في العام 2002 إلى 53.0% (14261.7 مليون ريال عُماني) في العام 2011م. وتعزى هذه الزيادة في كل من إجمالي تكوين رأس المال والادخار المحلي بصفة رئيسية إلى الفوائض المالية الضخمة التي نتجت من ارتفاع أسعار النفط. ولقد تسرَّب جزءٌ من إجمالي الادخار المحلي (إجمالي الناتج المحلي ناقصاً الاستهلاك) في صورة تحويلات جارية (رواتب الأجانب العاملين بالسلطنة)، ومدفوعات الدخل (الفائدة وعائد الأسهم المدفوع للمستثمرين الأجانب). ولقد أسْفَر ذلك عن انخفاض إجمالي الادخار المحلي كنسبة من إجمالي الناتج المحلي إلى 38% (نحو 10210.7 مليون ريال عُماني) في العام 2011، بانخفاض بلغت نسبته 12.7% من إجمالي الناتج المحلي، تحت كلٍّ من مدفوعات وصافي التحويلات الجارية.
وعلى أيَّة حال، فقد كانتْ السلطنة بصفة عامة مصدر صافي لرأس المال، مع استثمار جزء من الادخار الوطني في خارج السلطنة، حسبما يتَّضح أيضاً من الفوائض التي تحققت في حساب السلع والخدمات من ميزان مدفوعات سلطنة عُمان.

ففي مُعظم السنوات، اعتادت السلطنة تحقيق فوائض في الحساب الجاري بما في ذلك جزء من مدخرات المستثمر في الخارج. وفي هذا الإطار، تشير الإحصاءات المتوفرة عن العام 2011 إلى أن إجمالي الادخار المحلي بلغ 10210.7 مليون ريال عُماني تُمثِّل 53% من إجمالي الناتج المحلي للسلطنة، بينما بلغ الادخار المحلي المتاح للاستثمار في الداخل (أي تكوين رأس المال) 7082.2 مليون ريال عُماني (نتيجة تدفق إلى الخارج بلغ 3128.5 مليون ريال عُماني تحت الحساب الجاري)؛ أي ما نسبته 31% من إجمالي الناتج المحلي. بلغ فائض الحساب الجاري نحو 2103 مليون ريال عُماني، وهذا يُعادل تدفق إلى خارج السلطنة من المدخرات الوطنية للاستثمار في الخارج بواسطة الأفراد أو القطاع الخاص أو الحكومة.

وبالنظر إلى انفتاح الاقتصاد العُماني على العالم الخارجي، فإنَّ هذا النوع من عدم التطابق بين الادخار المحلي والاستثمار المحلي، يصبح أمراً لا يُمكن تجنُّبه. حتى في حالة وجود زيادة في الادخار المحلي، خاصة في حالة وجود فرص استثمارية أفضل في خارج السلطنة؛ لذلك فإنَّ منح حوافز من شأنها زيادة المدخرات المحلية وتحويل هذه المدخرات إلى استثمار يُعدُّ أمراً في غاية الأهمية للسلطنة.

بَيْد أنَّ الفشل في استثمار هذه المدخرات قد يؤدي لانخفاض الطلب الكلي، ومن ثمَّ انخفاض معدل النمو الاقتصادي، وبصفة خاصة في الأوقات التي ينخفض فيها سعر النفط. وعليه، يُصبح من المحتَّم على المؤسسات المالية العاملة في سلطنة عُمان أن تعمل على منح الائتمان من هذه المدخرات طبقاً لاحتياجات الاستثمار المنتج، وهو أمر ضروري لتحقيق النمو طويل الأجل.

بَلَغ مُتوسط نسبة المدخرات المحلية من إجمالي الناتج المحلي 32.45% خلال الفترة 2002-2011. وهي نسبة تقل كثيراً عن المستوى الأمثل الذي حدده البنك الدولي 39%. فطبقاً للبنك الدولي في تقريره عن “عُمان 2020″، فإنَّ القطاع العام يلعب دوراً مهمًّا في مجال الموارد المتاحة لسلطنة عُمان. وفي هذا الإطار، تُشير الإحصاءات المتوفرة إلى هيمنة الاستثمارات العامة على الاستثمارات الخاصة؛ الأمر الذي يتَّضح من حقيقة أن نصيب رأس المال العام من إجمالي تكوين رأس المال بلغ ما بين 63.5% و65.3% في العام 2002 وعام 2006 على التوالي. بَيْنَما بَلَغ نصيبُ القطاع الخاص من إجمالي تكوين رأس المال من 36.5% و34.7% في عامي 2002 و2006. أمَّا متوسط مُعدَّل الادخار العام خلال الفترة ذاتها، فكان 22.1% من إجمالي الناتج المحلي، مقارنة بمتوسط معدل الادخار الخاص الذي بلغ 4.8%.

وبمعنى آخر، بَلَغ الادخار العام نحو 82% من الادخار الوطني في المتوسط خلال الفترة 2002-2008. كما هَيْمَن القطاعُ العام على إجمالي تكوين رأس المال. فقد بلغ متوسط معدل نصيب القطاع العام 12.8% من إجمالي الناتج المحلي خلال الفترة ذاتها، مقارنة بنسبة 5.8% للقطاع الخاص. ولقد زاد متوسط إجمالي الادخار المحلي من 33.1% في عام 2002 إلى 53.0% في العام 2011. وتعزى هذه الزيادة في إجمالي الادخار إلى انخفاض عجز الميزانية نتيجة لزيادة إيرادات النفط.

وفي المقابل، بلغتْ مُعدَّلات ادخار القطاع الخاص حول 5% في المتوسط خلال الفترة 2002-2011م. ولاشك أنَّ هذا المعدل المنخفض للادخار الخاص يعتبر أمراً غير معتاد في دولة ذات الدخل المرتفع؛ حيث نَجِد عَلَاقة إيجابية قوية بين مستوى الدخل ومستوى الادخار. ذلك أنَّ كمية النقود التي يُمكن للقطاع المالي أنْ يستخدمها في المعاملات المالية كانت أقل كثيراً من كمية النقود التي توفرها الحكومة. وفي هذا الإطار، تُشير الإحصاءات المتوفرة إلى أنَّ إجمالي تكوين رأس المال في شكل البناء والتشييد زاد إلى 3535.5 مليون ريال عُماني في عام 2011م، مقارنة بمبلغ 383.5 مليون ريال عُماني في العام 2002، وبمتوسط بلغ 1935.7 مليون ريال عُماني خلال الفترة 2002-2011م. أمَّا تكوين رأس المال على شكل “آلات ومعدات”، فقد زاد أيضا ليبلغ 2813.8 مليون ريال عُماني في العام 2011، مقارنة بمبلغ 322.1 مليون ريال عُماني في العام 2002، وبمتوسط بلغ 1861.72 مليون ريال عُماني خلال الفترة 2002-2011.

ولا يَخْفَى أنَّ نُمو الاستثمار العام -نتيجة لإنشاء مشروعات البنية الأساسية في السلطنة- إضافة إلى حالة الرواج العام في قطاع البناء والتشييد، قد أسهم بدرجة ملحوظة في دعم تكوين رأس المال في البلاد. ولقد كان نصيبُ قطاع النفط من إجمالي تكوين رأس المال 29.5% في العام 2011، مقارنة بمعدل بلغ 30.5% في العام 2002، بينما كان باقي الاستثمارات من نصيب الأنشطة غير النفطية. بلغتْ نسبة المصروفات الاستثمارية للحكومة 33.1% من إجمالي تكوين رأس المال في العام 2011، ويبرهن ذلك على الدور المهيمن للحكومة على صعيد استدامة النمو الاقتصادي في السلطنة. وإجمالي تكوين رأس المال لأي دولة يتم تمويله بصفة عامة من المدخرات المحلية، ويكملها المدخرات الأجنبية، أي تدفقات رأس المال إلى الداخل لتمويل عجز الحساب الجاري. وفي حالة الدول المصدرة للنفط مثل سلطنة عُمان، نجد أن المدخرات المحلية غالباً ما تزيد على الاستثمار نتيجة لفائض الحساب الجاري الذي يؤدي إلى تدفق رأس المال لشراء أصول في الخارج. وتوضِّح البيانات الخاصة بالادخار والاستثمار في سلطنة عُمان وجود علاقة قوية بين أسعار النفط والادخار والاستثمار.

الخطوات المقبلة
ولكِي تنجح السلطنة في المستقبل، في ظلِّ عالمٍ يتَّسم بالتغيُّر والديناميكية من حيث طرق إنتاج المعرفة وإدارتها- فإنَّه يتعيَّن العمل على تكييف أنظمتها التعليمية والموارد البشرية مع متطلبات المستقبل؛ بحيث يتم تحديث وتعزيز النظام الحالي وصولاً لنظام جديد يمكنه التعامل مع الموجة الرابعة للتغيرات العالمية، أو ما يُسمَّى بمُحرِّكات العولمة المبنية على التقدم التكنولوجي وثورة الاتصالات (العبور من خلال حواجز الزمان والمكان)، وعملية اقتصاد السوق، وقضية عولمة الإنتاج، وتغير الظروف الجيوسياسية في العالم. والتي تتسم بالعديد من المظاهر. فعلى سبيل المثال: نجد أنَّ حجم المعارف الإنسانية يتضاعف كل 20 شهرا. وكذلك إمكانيات الحاسب الآلي تتضاعف كل 20 شهرا تقريباً. وأصبح من الممكن من خلال ما يسمى “البيولوجيا الإحصائية” تكوين أشكال جديدة من أشكال الحياة. كما أن 45% من الوظائف التي تشهدها سوق العمل حالياً ستختفي خلال 15 عاماً.

ومن الملاحظ أن الموجة الرابعة من التغيرات العالمية تعتمد بدرجة ملحوظة على التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي وتقنية ثلاثية الأبعاد. هذا إلى جانب التحوُّلات الكبرى في مصادر الطاقة من مصادر الطاقة التقليدية إلى مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، والتحويلات في الإنتاج من إنتاج كثيف العمالة إلى إنتاج كثيف المعرفة. وكذلك التحوُّل من إنتاج الوفرة إلى إنتاج السرعة. والتحوُّل من إنتاج السلع إلى إنتاج برامج وأفكار عصر ما بعد المعلومات يُمكن فيه للكبار والصغار التعلم والابتكار، وخلق قيمة مُضافة لهم طوال حياتهم. لذا؛ يجب أنْ تكون المهارات والقدرة على الابتكار السمات الرئيسية لهذا النظام.

ويتعيَّن التنويه إلى أنَّه لا تُوْجَد وَصْفَة سحرية معينة تجعلنا مستعدين لمواجهة تحديات المستقبل، وإنما يعتمدُ ذلك على مَدَى جاهزيتنا وأخذنا بالأسباب والشروط المسبقة لتحقيق التنمية المستدامة. لذلك؛ فإنَّ أفضل طريقة للاستعداد أو لصناعة المستقبل يتعيَّن أن تكون من خلال غرس وتعزيز العديد من المبادئ لتحقيق التحول المطلوب للوصول إلى المستقبل الذي نصبُو إليه، فكما يقال: “إذا كنت تقوم بنفس الأعمال فسوف تحصل على نفس النتيجة”. ومن الأمثلة للمبادئ والثقافات نذكر ما يلي:
– انتشار ثقافة الادخار والاستثمار والإنتاج.
– إدراك أنَّ الربح من العمل الخاص أفضل بكثير من الراتب من العمل الحكومي.
– إعلاء قيم النزاهة والحديث بشفافية، وانعدام المحسوبية وتفعيل ثقافة المساءلة.
– لابد من تغيير أسلوب الإدارة النمطي الحالي؛ بحيث يكون المديرون والمسؤولون في الميدان -بقدر الإمكان- بدلاً من الجلوس في مكاتبهم والاكتفاء بإعطاء التعليمات. وكذلك يجب عدم قيام المسؤول بالعديد من المهام وعضوية الشركات واللجان الكبرى.
– تطبيق معادلة العائد على الاستثمار على كل ما يتم إنفاقه؛ سواء من قبل الحكومة، أو مؤسسات الأعمال، أو أفراد المجتمع.
– تحسين كفاءة استخدام الطاقة.
– التفكير في كيفية إيجاد مصادر تمويل مستدامة للخدمات الاجتماعية التعليمية والصحية، بعيدا عن تقلبات أسعار النفط.
– من المهم توفير الأرضية المناسبة لتهيئة الجهود والتعامل مع التحديات بواقعية وشفافية.
– يتعيَّن على ذوي الشأن فَهْم طبيعة الدورة الاقتصادية للبلاد بشكل أعمق حتى يُمكن معالجة جذور المشاكل وإطلاق طاقات شبابنا ومزارعنا ومصائد الأسماك ومصانعنا، بدلا من الاعتماد المفرط على استيراد احتياجاتنا من السلع والخدمات والعمالة الوافدة.

وأيًّا ما كان الأمر، فقد اثبتتْ التجربة التنموية لعُمان أنَّ التحديات لا تحول دون إحراز النجاح والإبداع. ذلك أنَّ ثمة علاقة وثيقة بين التحديات التي تواجه التنمية المستدامة المستهدفة والطموحات الكبيرة التي يتعيَّن العمل على تحقيقها لتحويل هذه التحديات إلى فرص واعدة.

التحديات المستقبلية
يُشار إلى أنَّ الاقتصادَ العُمانيَّ يمرُّ بمرحلة انتقالية أفرزتها مُستجدات العولمة، وما صاحبها من ثورة في مجال تقنية المعلومات والاتصالات، إضافة إلى قِصر عمر الموارد النفطية المحلية نسبيًّا، وتقلبات أسعارها، ومتطلبات سوق العمل المحلية، ونموذج التنمية القائم على إدارة الدولة للقاطرة الاقتصادية، وما نتج عن ذلك من تداعيات على بيئة الأعمال بشكل عام.

وينطوي ذلك بالضرورة على عددٍ من التحدِّيات؛ نُبرزها فيما يلي:
أولاً: التحدي الديموغرافي؛ ويتمثل في تزايد أعداد الباحثين عن فرص عمل، والذي يُقدَّر في الأجلين القصير والمتوسط بنحو 40 ألفا سنويًّا، وصعوبة استيعابهم في القطاع الحكومي وعدم جاهزية القطاع الخاص، وزيادة عدد الطلاب الباحثين عن فرص التعليم العالي المقدَّر بنحو 50 ألفًا سنويا، وعبء تمويل تكلفة دراستهم على ميزانية الحكومة؛ سواء محليًّا أو خارجيًّا. أضف إلى ذلك الأعداد الكبيرة غير المنتجة -نسبيًّا- والعاملة في بعض القطاعات الحكومية، وكيف يُمكن حَشْد هذه الطاقات وتوجيهها للقطاعات الانتاجية. إضافة إلى تزايد عدد المواليد بمعدل 30% منذ بداية العام 2012م، وانعكاسات ذلك على الطلب على خدمات التعليم والصحة…وغيرها في المرحلة المقبلة. ومن المعلوم أنَّ الهيكل الديموغرافي للسلطنة يتميَّز بخصائص فريدة؛ فهو مجتمع فتى؛ حيث إنَّ ما نسبته 65% من عدد السكان تقل أعمارهم عن 24 سنة، فضلاً عن الارتفاع النسبي في المعدل السنوي لنمو السكان. وهذا هو الرِّهان الرَّابح لعُمان متى تم تزويده بالعلم والمعرفة. وفى المقابل، هُناك خللٌ كبيرٌ في تركيبة سوق العمل العُمانية يحرمها الاستقرار والديمومة، والتي هي صُلب أي عملية تطوير. ومن جانب آخر، من المهم إيجاد حلول ناجعة للاستفادة من الطاقات البشرية المكدَّسة في القطاع الحكومي، والمحرومة من الإسهام فى العملية الإنتاجية في مشروعات القطاع الخاص.
ثانيا: التحدي المالي؛ الناجم عن الانخفاض الكبير في الإيرادات العامة للدولة بما يقدر بأكثر من 45%؛ نتيجة انخفاض أسعار النفط، وما يُمثله ذلك من تحدٍّ مزدوج للميزانية العامة لتمويل الإنفاق العام (الجاري والرأسمالي)، وكذلك ضرورة تكوين احتياطيات كافية من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي العُماني لتغطية عجز الحساب الجاري من ميزان المدفوعات الناجم عن الاعتماد المفرط على العالم الخارجي؛ لتلبية الطلب المحلي من السلع والخدمات، فضلا عن زيادة الطلب على العمالة الأجنبية؛ وبالتالي زيادة المحول إلى الخارج من رواتب هذه العمالة.
ثالثا: التحدي الاقتصادي؛ والمتمثِّل في دورة الأنشطة التجارية المحلية والمعتمدة بدرجة ملحوظة على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي؛ الأمر الذي أسفر عن خلل كبير في هيكل الاقتصاد وضعف القطاع الخاص واعتماده -إلى حدٍّ كبير- على الدعم الحكومي والعمالة الوافدة والنزعة الاحتكارية.

ومن الإنصاف القول بأنَّ هذه التحديات ليست مقصورة على السلطنة؛ حيث تُعَاني غالبية اقتصادات الدول الريعية منها؛ إذ تهيمن إيرادات النفط على المالية العامة؛ الأمر الذي حدَّ من الحاجة للاهتمام بباقي القطاعات. وبالرغم من الثقة في سلامة السياسات التنموية التي اتبعتها الحكومة في الفترة الماضية، إلا أنَّه من الضروري إحداث نقلة نوعية في مختلف نظم وآليات إدارة الاقتصاد العُماني حتى تتمكَّن السلطنة من التعامل مع عصر ما بعد النفط بفكر يتناسب مع المعطيات الجديدة، سيما وأنَّ الإنجازات المحققة خلال الحقبة الماضية وما تزخر به السلطنة من موارد طبيعية وإمكانات توفِّر أرضية صلبة للانتقال السلس إلى طور ثانٍ من التنمية. ومن المؤكَّد أن التعامل مع هذه التحديات ليس مهمة سهلة ويتطلب تكاتف الجميع، ومعرفة حقيقة جذور هذه التحديات وتشابكاتها، وأهمية التعامل معها بشفافية ومهنية عالية. ولتحقيق ذلك، نستعرضُ الصورة الكلية للاقتصاد العُماني لتوضيح الجذور الرئيسية لهذه التحديات؛ بما يُسَاعد في التعامل معها ودور الشركات الأهلية في ذلك.

وفي هذا الإطار، تجدُر الإشارة إلى أنَّ أسبابَ تلك التحديات ترجع إلى عدد من العوامل؛ تتمثل في: محدودية النجاح على صعيد تنويع مصادر الدخل وتنمية الموارد البشرية الوطنية وبناء قطاع خاص قوي وتنافسي والاعتماد المفرط على الاستيراد والعمالة الوافدة؛ وبالتالي هشاشة تركيبة الاقتصاد وتعرضه لضغوط كبيرة كالتي نشهدها اليوم جراء انخفاض أسعار النفط. وتنعكس هذه العوامل سلبا على إنتاجية البلاد، ومدى توازن وتكامل العلاقة بين الحكومة والمجتمع والقطاع الخاص، وحكمة السياسات المتبعة في السنين السمان والسنين العجاف للدورة الاقتصادية المحلية في الأجل البعيد.

آلية التعامل مع هذه التحديات
لا شكَّ أنَّ التعاملَ مع هذه التحديات ليس مهمة سهلة بل يتطلب تكاتف الجميع، ومعرفة حقيقة جذور هذه التحديات وتشابكها، وأهمية التعامل معها بشفافية ومهنية عالية. لذلك؛ فإنَّ نجاح المساعي لمواجهتها يعتمد بشكل كبير على مَدَى النجاح في غرس الثقافات الحميدة لضمان تحقيق التحولات المطلوبة. ويُمكن الإشارة إلى 3 قطاعات رئيسية تحتاج لتحوُّل حقيقي في أسلوب عملها؛ وهي على النحو التالي:
1- تنمية وإدارة الموارد البشرية الوطنية؛ حيث نجحتْ السلطنة في إنشاء وتطوير بنية أساسية من طرق وموانئ ومطارات ومبانٍ ذات مستوى عالمي، إلا أنَّ الموارد البشرية اللازمة لتعظيم الاستفادة من هذه البنية الأساسية غير متوفرة. ويعتبر العنصر البشري هو العامل المحدِّد لدرجة تقدُّم الأمم، وأنَّ أغلى ما تملكه أي دولة هو ثروتها البشرية. فالبشر هم أدوات التنمية، وهم الغاية النهائية لها. ولا شكَّ أنَّ حُسن استخدام القوى البشرية ورفع مهاراتها يكون له الأثر الأكبر في زيادة الإنتاج وإحداث التقدُّم. وهناك إيمان مُطْلَق بأنَّ الشباب العُماني هو أهم مدخل من مدخلات عملية الإنتاج والتنمية في المستقبل. وأنَّ التنمية الحقة هي تنمية البشر بواسطة البشر ومن أجل البشر. وبشكل عام، التنمية مشروع إنساني. وفي المستقبل سيكون التعليم الجيد وتعدُّد المهارات بمثابة الحد الأدنى لمتطلبات التنمية.
2- قطاع التجارة والصناعة: لا بُد من تغيير النموذج القائم على التجارة والاستيراد إلى نموذج قائم على الإنتاج والتصنيع والتصدير. وكما يقال “لا خير في أمة تأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تنسج، وتركب ما لا تصنع، وتستفيد من خدمات لا تنتجها”. إلى متى سنبقى أمَّة مُستهلكة؟ الجميع مدعوٌّ للعمل والتفكير وبذل الجهد، فـ”إنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.
3- القطاع المالي: تقليدي ولم يتغيَّر من الثمانينيات، ولا يقوم بدور فاعل في التحول المطلوب الذي يتطلَّب حَشْد المدخرات وتوفيرها كقروض للمستثمرين في القطاعات الإنتاجية أغلبها قروض شخصية أو سكنية أو استهلاكية. وكذلك عدد البنوك محدود، ورؤوس أموالها صغيرة نسبيًّا. ومن ثمَّ، قد يكون من المفيد فتح الباب لدخول بنوك أجنبية إذا تعذَّر زيادة عدد البنوك المحلية بأموال محلية.
وبصفةٍ عامةٍ، يُمكن القول بأنَّ سلطنة عُمان قد تقدَّمت تقدماً ملموساً في جميع مجالات التنمية البشرية، لاسيما في مُؤشرات بناء رأس المال البشري من صحة وتعليم. وعلى الرغم من الزيادة الملحوظة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة، إلا أنَّ التحسُّن في مؤشرات التنمية البشرية كان أسرع؛ مما يدلُّ على أنَّ النمو الاقتصادي لم يكن الحافز الوحيد لهذا التقدم في عُمان. وليس أدل على ذلك مما توصَّل إليه تقرير التنمية البشرية في العالم 2010 من أنَّ “عُمان تُعد الدولة الأولى عالميًّا من حيث التقدم في دليل التنمية البشرية في الفترة من عام 1970 وحتى عام 2010م، وكذلك في مؤشرات الصحة والتعليم”. ولا شكَّ أنَّ الإنسان العُماني يعتبر أهم ركيزة ومحرك للمستقبل. وعليه، فإنَّه يستحق اهتماما خاصًّا حتى ينهض وتنهض معه عُمان، وتتحقق على يديه التنمية المستدامة حسبما نتمنى ونريد.

إنَّ مُوَاجهة التحدِّيات التي تُفرزها العولمة -سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية- تتطلب بذل جهودٍ ضَخْمَة، وتحتاج استخدام آليات متعددة، إلا أنَّ العنصرَ البشريَّ يظل المحور الذي تلتقي عنده مُختلف الوسائل والسياسات التنموية. وتشير أحدث نظريات التنمية الاقتصادية (ما يعرف بالنظرية الحديثة للنمو) إلى أهمية دور الموارد البشرية في تحقيق النجاح الاقتصادي وتقليص الفوارق بين الدول المتقدمة والصاعدة. ولقد أشارت تجارب الدول التي نجحت في تحقيق مستويات عالية للتنمية الاقتصادية، مثل سنغافورة، إلى أنَّ نسبة الإنفاق على قطاع التعليم تزيد على 60% من إجمالي الإنفاق، في حين لا تزيد هذه النسبة على 5% في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وتُشير الأدبيات الإقتصادية -خاصة تلك القائمة على النظرية الحديثة للنمو- إلى أنَّ تأثير رأس المال البشري على التنمية الاقتصادية أكبر كثيراً مما قد توحي به تقديرات العائد على الاستثمار في التعليم. ذلك أنَّ ما يُعرف بتساقط الثمار والمتمثل في العلاقة الوطيدة بين مستوى التعليم والقدرة على التقدم التقني قد لا تكون ذات تأثير محسوس على متوسط إنتاج الفرد، إلا أنَّها تترك آثاراً إيجابية مستدامة على معدلات النمو في الاقتصاد الوطني. ذلك أنَّ التعليم يمد الدولة بكفاءات بشرية قادرة على تبني التقنية الحديثة وإعادة تطويعها بطريقة تلائم أوضاع الاقتصاد واحتياجاته. وفي مرحلة تالية تكون قادرة على ابتكار تقنية أو منتجات جديدة تمنح الدولة فرصة شق طريقها في الأسواق العالمية القائمة على التخصص الدقيق والقدرة على التميُّز عن الآخرين. وتؤكِّد التجارب التنموية المعاصرة على أنَّ ارتفاع المستوى التعليمي للداخلين الجدد لسوق العمل يعدُّ حافزاً إيجابيًّا في آلية عمل الاقتصاد المحلي؛ ذلك أنَّه يزيد طاقات الاقتصاد وإنتاجيته وقدرته التنافسية، بجانب فتح آفاق جديدة نحو الابتكار والتميُّز. كما أنَّه يزيد من جاذبية الدولة للاستثمار الأجنبي المباشر الذي يحمل معه عادة رأس المال والتقنية الحديثة؛ وبالتالي فرص العمل. لذا؛ فإنَّه من المهم الالتفات إلى نسب أعداد الملتحقين بالتعليم الجامعي من خريجي المدارس الثانوية كمعيار لسياسة الدولة في تسخير المصادر المالية الراهنة للمجتمع، في سبيل الوصول إلى تنمية مستدامة، والانشغال بالاستثمار في صانعي المستقبل.

ولمواجهةِ التحديات سالفة الذكر، على جميع المساهمة في غرس ثقافات حميدية؛ نذكر هنا على سبيل المثال وليس الحصر: مؤسسات المجتمع المدني، والمنابر، والمنزل والمرأة، ووسائل الإعلام المختلفة، والمدرسة، والمؤسسات المالية.

من جانب آخر، هُناك عديد الآيات التي أمرَ الله تعالى فيها بحفظ المال والإنتاج، ونهى فيها عن التبذير والإسراف؛ منها قوله تعالى:
“وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً” (الإسراء:29).
“وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً” (الإسراء:26-27).
“وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً” (الفرقان:67).
“وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ” (الأعراف:31).
“وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى” (النجم:39-40).
“كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده” (الأنعام:141).
“يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين” (الأعراف:31).
“ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا” (الإسراء:29).
“والذين إذا ما أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما” (الفرقان:67).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رحم الله امرا اكتسب طيبا، وأنفق قصدا، وقدم فضلا ليوم فقره وحاجته”.

الخلاصة
يتعيَّن الترويج لثقافة الادخار في المجتمع من خلال الفعاليات ووسائل الإعلام. وهذه مسؤولية مشتركة للحكومة ورجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني، وبالأخص جمعيات المرأة العُمانية والتي باتت مُطالبة بدور أكبر لغرس ثقافة الادخار لدى الأسرة. ومن جانب آخر، يجب على القطاع المالي أن يعمل على زيادة جهوده لجذب مدخرات الأفراد والشركات، والأهم من ذلك توجيهها للأغراض الإنتاجية وليس الاستهلاكية. وكذلك من المهم إيجاد آليات تشجع العمالة الوافدة التي تقدر تحويلاتها بنحو 4 مليارات ريال عُماني سنويا على ادخار أكبر جزء ممكن من هذه التحويلات واستثمارها في السلطنة لتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية.

—————————————————-

المصادر والمراجع:
المراجع باللغة العربية:
– الرؤية المستقبلية للاقتصاد العُماني-عُمان 2020م، إستراتيجية التنمية طويلة المدى (1996-2020)، وزارة الاقتصاد الوطني.
– الكتاب الإحصائي السنوي 2016، مركز الإحصاء والمعلومات، سلطنة عُمان.
– النشرة الإحصائية الشهرية، يوليو2016، مركز الإحصاء والمعلومات، سلطنة عُمان.
– التقرير السنوي لغرفة تجارة وصناعة عُمان (2015)، سلطنة عُمان.
– التقرير السنوي للبنك المركزي العُماني، 2013/2015، البنك المركزي العُماني.
– تقرير التنمية البشرية 2003/2012، المجلس الأعلى للتخطيط، سلطنة عُمان.

لمراجع باللغة الانجليزية:
– Beblawi, H. (2011), ‘Gulf industrialization in perspective’ in Seznec, J-F and Kirk, M. (eds.) Industrialization in the Gulf: A Socioeconomic revolution, London: Centre for Contemporary Arab Studies, Routeldge, pp. 185-197.
– Callen, T., Cherif, R., Hasanov, F., Hegazy, A. and Khandelwal, P. (2014), Economic diversification in the GCC: past, present and future, IMF Staff Discussion Note, December 2014, SDN14/12.
– Kotter, John (2002), The Heart of change: Real life stories of how people change. Harvard Business school Press.
– Peterson, John (2004), “Oman. Three and a half Decades of change and development”. Middle East Policy, Vol. 11, No.2.

724 total views, 2 views today