Hatim

حاتم الطائي

“ريحٌ عاصفٌ” تحيطُ بسفينة أمَّتنا العربيَّة من المحيط إلى الخليج، ورائحة الموت تفوح من أقطار عدَّة.. وكلما خبتْ وجدتْ من يُزيدها سعيرًا؛ فالمنطقة تشهدُ اقتتالا وصراعات بصورة غير مَسْبوقة، لكنَّ الجديد هذه المرة هو أنَّ هذا الكم الهائل من الدَّمار والخراب، بل ونسف القيم والأعراف، وما يمكن الاصطلاح على تسميته “الإبادة الممنهجة للشعوب”، يتمُّ بأيدي أبناء المنطقة التي أعيت الغزاة والمستعمرين على مَدَار عقود، وخرجوا منها مهزومين، يجرُّون أذيالَ الخيبة والحسرة، إلا أنه وعلى ما يبدو، أننا -وبعد طرد الاستعمار السكاني- خلدنا إلى سُبات عميق؛ بينما بَقِي الطرفُ الآخر يقظًا، يدرسُ ويحلِّل من أجل فَهْم سيكولوجيَّة الإنسان العربي، ووَضَعُوا أيديهم على مَوَاطن الدَّاء، التي مِنْ خلالها نفذوا إلى المنطقة مرَّة أخرى، دُوْن أنْ يخسروا جنودًا أو معدَّات عسكريَّة.

وبَيْنما دقَّات طُبول الحَرْب تتعالى في مَناطق مُتعدِّدة من وطننا العربي، تتعاظم لديَّ عدَّة قناعات؛ يأتي في مقدمتها: أنَّ الواقع العربي العام تحكُمُه الآن سِمَات مُشتركة وليست مَوَاقف مُشتركة.

سِمَاتٌ تَبْرُز فيها سيِّئات “حالة الانتظار” لما ستقرِّره القوى الغربيَّة، ثمَّ التعامل مع هذه “القرارات” بشكلٍ انفراديٍّ عربيٍّ، عِوَضاً عن التنسيق المسْبَق، وإعداد القرار العربي المشترك للتعامل مع نتائج المرحلة واحتمالاتها المستقبليَّة.

القَنَاعة الثانية: أنَّ أيَّة أمَّة لا يُخطِّط لها سياسيُّوها، ولا يفكر لها أصحابُ الفكر فيها، تنقادُ وراء ما يُخطِّطه لها قادة الأمم الأخرى.

… إنَّ واقعنا يُبرهن أنَّ أيَّة أمَّة لا تحمل رُؤية مُشتركة للمستقبل، تعيشُ أحلاماً مُتصارعة بين أبنائها، وأيَّة أمَّة لا تضع خططًا عمليَّة تنفيذيَّة لما تقرِّره، تُصبحُ قراراتُها مجرَّد حبرٍ على وَرَق، لا تستقطب صديقاً، ولا تُخيف عدوًّا.

وعَلَى مَدَى سنوات تتعاظم فيها الأدوارُ التي تلعبُها مَرَاكز الأبحاث الغربيَّة في تحريكِ آلةِ الحربِ في منطقتنا، كان عُلماؤنا ومُفكِّرونا يغطُّون في نَوْم عميق، ويشتبكون في قَضَايا فرعيَّة ومسائل جدليَّة أضعفتْ من قوَّة العالم العربي والإسلامي أكثر مِمَّا هي ضعيفة.

وحِيْنما نُمعِن النَّظر في ما يجري بالمنطقة العربيَّة هذه الأيَّام، يَصْعُب علينا استبعاد أصابع “الفوضى الخلاقة” التي ابتدعتها الإدارة الأمريكيَّة في عَهْد الرئيس بوش الابن؛ لتُعيد تشكيل خارطة الشَّرق الأوسط ليس عَبْر التفاهمات بين مكوِّناتها، بل عَبْر تغييرٍ قسريٍّ محمولٍ على أسِنَّة رِمَاح الفتن الطائفيَّة وإثارة النَعَرات المُفضِيَة إلى الحُروب الأهليَّة التي لا تبقي ولا تذر.

وَلَقد عَايشنا كَيْف أنَّ تطبيقَ هذا المفهوم -الفوضى الخلاقة- أثمرَ خرابًا في العراق وسوريا وليبيا، وها هو اليمن في الطريق.

… جاءَ الغزو الأمريكيُّ للعراق في العام 2003 تَحْت شعارات برَّاقة كالديمقراطيَّة والليبراليَّة ووَأد الديكتاتوريَّة، وعندما ننظرُ الآن إلى حالِ العراق نُدرك أيَّ نوعٍ من الأمنيات -أو قُل المؤامرات- كان يُضمرها المُحتل لبلاد الرافدين!

لَقْد دَشَّن الغزو الأمريكيُّ للعراق مَرْحَلة جديدة من تدميرِ المُجتمعات العربيَّة، ودخولها نفقًا مظلمًا من النزاعات المسلَّحة والحروب الطائفيَّة التي لا أمل في إطفائها بالمستقبل القريب.

ومَنْ يَعْتَقد أنَّ إسرائيلَ غائبة عن هذا المشهد فهو واهمٌ؛ حيث إنَّه لابد من القول بأنَّ دولة الاحتلال هي المستفيد الأول مما يحْدُث؛ وبالتالي فإنَّ لها يدًا في الأحداث ودفعها نحو مزيد من التعقيد، فيما تتمدَّد هي في البناء الاستيطاني، وتُوْغل في ارتكابِ الجرائم بدَمٍ باردٍ دُوْن خَوْفٍ أو وَجَلٍ؛ لأنَّ الاهتمامَ العربيَّ لم يَعُد مُنصبًّا على قضيَّته المركزيَّة وهي القضيَّة الفلسطينيَّة، بل باتَ مُنشغلاً بالحرائق الداخليَّة الناشبة فعلاً في عددٍ من دوله، أو تلك التي على وَشك الاندلاع!

ومِنَ المعروفِ أنَّ حربَ النفوذِ الدَّائرة بين الدول الكبرى في العالم، وصراعها على مناطق الثروات، يَجْعَلها تلجأ إلى وسائل وأساليب غير مَحْدُودة لإلحاق الضَّرر بالمنافس. ومن ذلك استهداف مواقع الثروة بالفتن والحروب، ويُمكن تفسير جانبٍ من تردِّي الأوضاع في اليمن -على سبيل المثال- بالتنافس الأمريكيِّ-الصينيِّ-الروسيِّ، حيثُ إنَّ كلَّ هذه القوى تطمعُ في مَوْطِئ قدمٍ راسخٍ بهذه المنطقة الإستراتيجيَّة من العالم؛ حيثُ إنَّ ازديادَ التوتُّر بين الدول العظمى في شَكْل الحرب الباردة ينعكسُ في شكل صِرَاعات وحُرُوب واقتتال في البلدان الهشَّة كما هي الحال في اليمن.

وبجَانِب أفكارِ “الهيمنة والنفوذ” العالميَّة -التي تتلاعبُ بمقدِّرات ومُستقبل مَنْطِقَتنا -كما رياح هَوْجَاء في فصلِ الشتاء- نجد أنَّ فكرة “الإسلاموفوبيا” أحد جنرالات الحرب في مِنْطَقتنا؛ فمنذ انتهاءِ الحَرْبِ الباردةِ بَيْن المعسكريْن -الغربي، والشرقي- وتفكيك الاتحاد السُّوفييتي، وانكفاء رُوسيا على مُشكلاتها الدَّاخليَّة ومُعالجَة أزماتها، اتَّجه الغربُ المنتشي بانتصاراته إلى خَلْق عدوٍّ جديدٍ؛ لتتفتَّق ذهنيَّة الدَّهاء الأمريكي عَنْ تَصْوير الإسلام؛ باعتباره هَذَا العَدُو الجديد القادم من عَبَاءة التَّاريخ البعيد.

وتمَّ حَشْدُ رجال الإعلام والمفكِّرين لإظهار الإسلام على غَيْر صُورته الحقيقيَّة، وتَصْوير المسلمين كوُحُوش بربريَّة قادِمَة لهَدْم الحضارة الغربيَّة؛ لتؤسِّس بذلك للعنصريَّة ضِدَّ المسلمين في المجتمَعَات الغربيَّة، وتُثير الكراهية ضِدَّهم، في تحيُّزٍ فاضحٍ ضِدَّ المسلمين، ومن خِلال مُحاولات مُستميتة لشيْطَنَتِهم.

ولعلَّ واحدًا مِنْ أهدافِ ظاهرة “الإسلاموفوبيا”، هو: تبريرُ الهُجوم على بلاد العَرَب والمسلمين؛ حيثُ قامتْ الولايات المتَّحدة بغَزْو أفغانستان، ومن بَعْدها العراق بمئات الألوف من الجُنود وآلة الحَرْب المتقدِّمة، تَحْت ذرائع مُعْلَنة واهية، ولكنَّنا نعلمُ أنَّ رهاب الإسلام كان ضِمْن الأهداف غَيْر المعلنة.

وفِي السِّياق، لا يُمكن أنْ نتجاهل دَوْر الصهيونيَّة العالميَّة في تأجيج الصِّراعات والحرب في مِنْطَقتنا، فلم يَعُد خطرُ الصهيونيَّةِ اليوم مقصورًا على الفلسطينيين والعرب وحدهم، بل على الشُّعوب الغربيَّة نَفْسها التي تستخدم ثرواتها في الدَّمار والحُرُوب تحت ذَرَائع مُختلفة.. فغزوُّ العراقِ كلّف الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة أكثرَ من ترليونيْ دُولار، ودفعها إلى هاوية أزمة اقتصاديَّة حادَّة لم تتعافَ مِنْها حتَّى الآن، وهذا الغزوُ لم يَكُن لصالح الولايات المتَّحدة، بل لخدمةِ مَصْلحة إسرائيل في المقام الأول.. ولتبريرِ هَذَا الغزو، جَرَى تلفيقُ واختلاقُ ذرائع مُختلفة؛ منها: كذبة أسلحة الدمار الشامل، والَّربط بين “القاعدة” ونظام البعث في أحداث 11 سبتمبر. ورَغْم إدراكِ العالم أنَّ كلَّ ذلك مَحْض افتراءات، إلا أنَّه لم يَجْرؤ أحدٌ عَلى الجَهْر برأيٍ مُماثل، أو التَّعبير عَنْ ذلك بشكلِ واضحِ وصريح.

ومِنْ هُنا، فإنَّ هَيْمَنة اللوبي الصُّهيوني على العالم تشكِّل خطرًا مُرعبًا؛ كونها تدفع العالم نحو مزيدٍ من الكوارث والحُروب عَبْر أكاذيب وذرائع تَدْفَع ثمنَها الشعوبُ المغلوبُ على أمرها.

وفِي الخِتَام، فإنَّ هذه الصِّراعات والحُرُوْب التي تجري بالتزامن -وبالمنهجيَّة وأدوات التأجِيْج ذاتها- تجعلنا نُوْقن بأمرين:

الأوَّل: أنَّ الفاعلَ والمستفيدَ مِنْ هذهِ الفَوْضَى العارِمَة هي جِهَةٌ واحدةٌ تَسْعَى للسيطرةِ على العالمِ عَبْر إقرارِ نظامٍ عالميٍّ جديدٍ؛ لإتاحة المجال لـ”حكومة عالميَّة” تُدير هذا الكون وفق رُؤية مُوحَّدة، وأهداف إستراتيجيَّة تمَّ العملُ عليها لسنوات.

والثاني: أنَّنا حتى اللحظة -كعرب ومسلمين- لا نزال نغطُّ في سُبات عَمِيْق، غَيْر مُدركين خطورةَ اللحظة التاريخيَّة وتداعياتها المستقبليَّة على الأجيال القادمة؛ بل إنَّ البعضَ مِنَّا يُساهم -سواء عن دراية أو جهل- في تمريرِ مِثْل هذه المخطَّطات التدميريَّة للمنطقة عبر الدَّعم المالي أو الإعلامي، أو حتى توفيرِ الغطاءِ السياسيِّ لمثل هذه العناصر الجهاديَّة شديدة التطرُّف.

ومِنْ هُنا، وَجَب الانتباهُ والحذرُ من “الإسلام الجهادي”، والتنظيمات المتشددة، التي تمَّ استغلالُها من قِبَل أجهزة المخابرات الغربيَّة في تحقيقِ مآربٍ مدروسةٍ جيدًا، وجاء الإسلامُ السياسيُّ في ذُرْوته -مُمثَّلا في تنظيم “داعش”- ليعلن إفلاسها فكريًّا وسياسيًّا.

لِذا وَجَب التنبُّه لعَدَم إدراجِ الدِّين في غَيَاهب السياسة وألاعيبها القذرة؛ لأنَّ الدينَ يجمعُ ولا يفرِّق، وأنَّ قبولَ الآخر هو أوَّل الطريق لننجُو جميعًا، بعيدًا عن التَّهْلُكة التي تتدثر بالمذهبيَّة الممجوجَة، والطائفيَّة الممقوتة.

… إنَّ الحفاظَ على الدَّولة الوطنيَّة قويَّةً مُتماسكةً عصيَّةً على التفكيك، يعني نَشْرَ التسامحِ الدينيِّ والمذهبيِّ، وتأصيله كمنهجِ حياةٍ، وتطبيقه واقعيًّا؛ بعيدًا عن التنظير والتأطير الفكري.

وفِي تَجْرِبة السَّلطنة ما يُعضِّد هذا التوجه؛ بل وتعْمِيْمه في مُختلف البلدان، عَبْر انتهاج نفسِ الأدوات والآليَّات التي انتهجتها بلادُنا؛ من أجلِّ تعزيزِ السِّلم والأمن المجتمعيين، وهو ما تفتقده مُعْظَم البلدان التي تشتعلُ فيها الحرائق الفكريَّة، والسياسيَّة، والطائفيَّة الطاحنة.

3,064 total views, 2 views today