مُحمَّد حسين بن موسى اللواتي

هذا المَوْضُوعٌ مُستلٌ من كتاب للشيخ مُرتضى المطهري، بعنوان “عرفان حافظ” باللغة الفارسية، ومذكور تحت عنوان “أصول الرُّؤية الكونية العرفانية”، وهُوَ أوْلَى مسائل تلك الرُّؤية التي ذكرها الشيخ هناك. ولقد قُمْتُ بترجمتِه لعلَّه يرى فيه أحدٌ ضالته في هذه المسألة الشائكة بين أصحاب العقول وأصحاب القلوب.. ولعلَّها شائكة وَسط أصحاب العقول والقلوب معًا أيضًا.
الشيخ مطهري هو فكِّرٌ إسلامي كبير، وأحد أبرز رموز النهضة الحديثة في الفكر الديني. له عشرات المؤلَّفات والأعمال والنظريات والأفكار. استشهد مطلع انتصار الثورة الإسلامية في إيران

—————————————————-

مِحْورُ الرُّؤية الكونيَّة العرفانيَّة هو مسألة “وِحْدَة الوجُوْد”؛ لذا يَجْدُر التوجُّه هنا إلى هذه المسألة بالتحديد؛ حيث الكثير قد أخطأ فيها.. فمن حيث أنَّ البيانَ الفلسفيَّ لمسألة “وِحْدَة الوجُوْد” قد وُجِدَ في وقتٍ مُتأخر (مثل مَا تمَّ بيانه سابقاً؛ حيث إنه قد وُجِد بواسطة محيي الدين بن عربي وتلامذته، بمعنى أنه هذا الاسم والاصطلاح لم يكن موجودًا بين العرفاء من قبل ذلك).

لذا؛ قد تخيَّل البعضُ أنَّه لم يكن هنالك في العرفان مسألة “وِحْدَة الوجُوْد” أصلاً قبل مُحيي الدين؛ فعلى قول البعض: كانت هنالك مسألة “وِحْدَة الشهود” وليس “وِحْدَة الوجُوْد”، وأساسا فإنَّ فكرة “وِحْدَة الوجُوْد” فكرة وُجِدَت بعد ذلك. ولكن هذا غير صحيح؛ حيث كانت هنالك مسألة “وِحْدَة الوجُوْد” قبل محيي الدين أيضًا، ولكنها لم تكن باسم “وِحْدَة الوجُوْد”، فقد ذكرها عرفاء آخرون حينها تحت بيان آخر، دون أنْ يعطوها تسمية “وِحْدَة الوجُوْد”، ولم تكن هي “وِحْدَة الشهود” صرفا، ولا باسم ” وِحْدَة الوجُوْد”.

كلُّ ما هُنَالِك هو أنَّ البيانَ الفلسفيَّ لمسألة “وِحْدَة الوجُوْد” هو نفسه ذلك البحث الذي كان يعتقد به هؤلاء منذ القديم في آرائهم، ويعتبر هذا الأمر بحد ذاته حكاية لوحدها، يُمكن البحث فيها لمن يتخيَّل ذلك. فمثلا: “العطار” لم يكن تحت تأثير محيي الدين، وإن كان مُعَاصِرا له، ولعله كان مُتأخرا عنه قليلا، ومع فرض معاصرته له، فإنَّ فلسفة وفكر محيي الدين لم تصله. إذا ما أراد أحد الاطلاع على آثار العطار، فإنَّه سيري فيها حضورا لمسألة “وِحْدَة الوجُوْد” بشِدَّة، ولكن دون ذكر اسمها (1).

مسألة “وِحْدَة الوجُوْد”
كما قُلنا، فإنَّ محورَ الرُّؤية الكونية العرفانية هي مسألة “وِحْدَة الوجُوْد”، فلنرى ما هي هذه المسألة أصلا؟ وعليه يجب علينا تقديم توضيح مختصر عنها.. فهذه المسألة هي من ضمن تلك الأفكار التي لا يصل ولا سيصل إلى عُمقها إلا القليل، هذا ما يجب أن يقال عن هذه المسألة، ودون أية مجاملة. فهنالك البعض، وبمجرد أن يصل إلى أي شيء ما، يقول عنه مباشرة هذا نوع من “وِحْدَة الوجُوْد” أيضا.

نحن الآن ليس لنا شأننا “اللفظ”، فيُمكن لأحد أن يُسمِّي مدرسة فكرية معينة بـ”وِحْدَة الوجُوْد”. فمثلا هنالك أصالة الوجُوْد التي تقول بها “الوجُوْدية”، كما نحن لدينا مسألة باسم أصالة الوجُوْد أيضا، هم لديهم شيء مختلف، ويريدون تسميته “أصالة الوجُوْد” فليفعلوا ذلك.
فليست هذه التسمية محصُوْرة على أحد ما، ولم يُسجِّلها أحدٌ في مكان ما باسمه، ولكن في نفس الوقت لا يجب أن يشتبه الأمر على أحد فيقول إن هذه “أصالة الوجُوْد” هي نفسها تلك -فهذا غير صحيح- فتلك شيء وهذه شيء آخر.. هنالك قلة قليلة من الأفراد الذين يُمكنهم التصوُّر الصحيح لمسألة “وِحْدَة الوجُوْد” التي لدى العرفاء؛ وذلك أخذا بالمستشرقين، ومرورا بغيرهم.
فانظروا للمستشرقين -ومجموعة من غير المستشرقين المحسوبة علينا- فإنَّهم دائما يعبرون عن “وِحْدَة الوجُوْد” بـ”الحول والاتحاد”.. فالسيد د. البدوي -ومن حيث أن كثيرا ما يقول به، هو ما قد قال به المستشرقون- يقول بـ”الاتحاد والحلول ” دائما، مع أنَّ “الاتحاد والحلول” يعدُّ ضدًّا لـ”وِحْدَة الوجُوْد”؛ فعلى حسب قول “الشبستري”:
الحلول والاتحاد محال هنا…
فالثنائية في الوِحْدَة عين الضلال
فكل ما تقول به هذه المجموعة هو: أنه إذا لم يكن الأمر عبارة عن ” الاتحاد ” فكيف قال ذاك ” أنا الحق ” ؟ فمعنى ” أنا الحق ” هو الاتحاد. لا ليس معنى ” أنا الحق ” الاتحاد، فليس هو اتحاد ولا الحلول.

والمرحوم “الفروغي” أيضاً في كتابه “سير الحكمة في أوروبا”، كلما واجه مسألة بَدَت له غامضة؛ حيث يكون فيلسوف ما قد قدم بنظرية معقدة جدًّا، فإنه يقول عنها بأنها نوعا من “وِحْدَة الوجُوْد”. فمن حيث أن مسألة “وِحْدَة الوجُوْد” كانت غير مفهومة لديه، فإنه كلما كان يصل إلى شيء غير مفهوم، يقول عنه بأنه نوع من “وِحْدَة الوجُوْد”، فحينما قال عن بعض المسائل بأنها عبارة عن نوع من “وِحْدَة الوجُوْد”، لم يكن لها أي ربط بمسألة “وِحْدَة الوجُوْد” أصلا. فمثلا إذا ما أعطى أحدًا رؤية في باب “الكليات” نرى أنه يقول عنها بأنها نوع من “وِحْدَة الوجُوْد”.

البيان الأول لـ”وِحْدَة الوجُوْد”
لمسألة “وِحْدَة الوجُوْد” تعبيرات مختلفة، أما بالنسبة لـ”كثرة الوجُوْد” فالمسألة واضحة جدا: فيمكن أن يقول أحدٌ بأنَّ الموجُوْدات كثيرة ومتعددة ومتباينة؛ فواحدة من هذه الموجُوْدات هو إنسان وآخر حيوان -والحيوانات فيها اختلاف أيضا- وآخر جن وآخر ملك، كما أنَّ هنالك وجُوْدا للإله أيضا.
ولعلَّ أكثر الفلاسفة وغير الفلاسفة لديهم مثل هذا التصوُّر، وهو أنَّ الموجُوْدات التي هي بالذات فيما بينها متباينة، وبتعبير نهج البلاغة “بينونيتها بينونية عزلية”، تُعتبر منعزلة بعضها عن البعض الآخر، ووجُوْد كل موجُوْد مع وجُوْد موجُوْد آخر متباين بالذات.

والمتوسطون من العرفاء يقولون أحيانا بأنَّ معنى “وِحْدَة الوجُوْد” هو عِبَارة عن انحصار الوجُوْد بالحق (ليس في الدار غيره ديار)، ولكن ذلك بمعنى أن كل موجُوْد ما عدا الله ومهما كانت عظمته، فإنَّه في نهاية الأمر وجُوْد محدود، بينما ذات الحق وجُوْد لا متناهي وكمال لا متناهي، وعظمة غير متناهية، وقدرة غير متناهية، وجمال غير متناهٍ.

نحنُ إذا ما قارنَّا الموجُوْدات بعضها البعض، سنجد أن بعضها أكبر والبعض الآخر أصغر؛ فمثلا حينما نقارن النهر بالبحر، نرى أن البحر كبير والنهر صغير، فيمكن أن تكون لمحدود نسبة مع محدود آخر، أما محدود مع لا محدود فليست هنالك نسبة أصلا.

فما يُشاهده الإنسان من أشياء كبيرة وصغير، فإنه يرى ذلك بالمقايسة، فحينما نقول هذا صغير وهذا كبير، فإن ذلك الصغير يكون صغيرا بالمقايسة مع شيء آخر، وذلك الكبير يكون كبيرا بالمقايسة مع شيء آخر. وفي مثل هذه الأمور المحسوسة، فالشيء الذي كان دائما في نظرنا كبيرا، حينما نراه مقابل شيء هو أكبر منه، نتخيَّل أنه قد أصبح صغيرا. فمثلا الإنسان طويل القامة، والذي كان دائما في نظرنا عجيبا، إذا ما مشى بالقرب من إنسان أطول منه -بحيث يكون رأسه ورقبته أطول منه- لتخيل واحد منا بأنه قد أصبح صغيرا، هكذا تكون نظرة الإنسان للأمر.

العارف حينما يشاهد العظمة اللا متناهية للحق (علم لا متناهي، قدرات لا متناهية، كمال لا متناهي) فلا تكون لديه للمتناهي مقابل اللا متناهي نسبة أصلا، حتى يمكن القول بأنَّ هذا أكبر من هذا، فهذا غير صحيح؛ لأنه يجب أن نعد ذلك -في المقام الأول- شيئا حتى يتسنَّى لنا القول بأنه أكبر.
لهذا؛ فقد وَرَد في الحديث أيضا، حينما سُئل الإمام: بأنه هل معنى “الله أكبر” هو الله أكبر من كل شيء؟ فكان جوابه: لا، هذا الكلام غير صحيح، بل المعنى هو (الله أكبر من أن يوصف).
فالله أكبر من أن يُوْصَف، وليس هو أكبر من كل شيء آخر؛ بحيث تكون الأشياء قابلة للمقايسة مع الله، حتى نقول من ثمَّ ولكن الله أكبر منها؛ فليس الأمر قابلا للمقايسة أصلا.

ومن هُنَا؛ فعندما يُشَاهِد العارف عظمة الحق (وهنا تتحقق “وِحْدَة الشهود”)، فإنه لا يمكنه أساسا رؤية غيره قهرا. فإذا كان ذاك وجُوْدا، فلم يعد هذا وجُوْد بعد، إذا كانت تلك قدرات فليست هذه بقدرة، إذا كانت تلك عظمة فليست هذه بعظمة، وذلك لكون هذا بالأصل شيئا، وذلك ليس بشيء.
“السعدي” -في مكان أو مكانين- أراد أن يتكلَّم عن موضوع الوِحْدَة العرفانية، فإنه قد تكلم عنه بنفس هذا المستوى تقريبا وليس بأكثر. ففي أحد أشعاره المعروفة في “البستان”، يقول فيها:
طريق العقل ليس إلا التواء في التواء…
ليس لدى العرفاء وجُوْد غير الله
ويُعدُّ هذا عنده بمثابة “الوِحْدَة في الوجُوْد”، ونرى أنه ومن ثمَّ يعترض على نفسه، ويجاوب نفسه بنفسه، فيقول:
يُمكن القول هذا للعارف بالحقائق…
ولكنه ينتقد من أهل القياس
فماذا إذا هذه السماء والأرض…
ومن هم بني آدم والشيطان والسبع
فيجاوب عن هذا بقوله:
حسن كان سؤالك يا أيها النبيه…
سأجاوبك فلعلك أحسنته
فالشمس والبحر والجبل والفلك…
الملك البشر والسبع والفلك
كلهم مهما كانوا فهم أقل منه…
حتى يأخذوا بوجُوْدهم إسم الوجُوْد
وهذا هو معنى قول “ليس لدى العرفاء وجُوْد غير الله” (2).
كان هذا نوعا من “وِحْدَة الوجُوْد”، ولا أحد يستشكل على هذا النوع منه.

البيان الثاني لـ”وِحْدَة الوجُوْد”
البيان الثاني هو أنَّ وِحْدَة الوجُوْد ليست بمعنى أنَّ الوجُوْد مُنحصر بذات الحق، بل معناه أنَّ الموجُوْدات كلها موجُوْدة بـ”حقيقة”، وتلك الحقيقة هي “الوجُوْد”، ولكن لحقيقة الوجُوْد مراتب؛ فواحدة من مراتبها واجبة وأخرى ممكنة، مرتبة غنية ومراتب أخرى منها فقيرة.. إذن؛ فحقيقة الوجُوْد حقيقة واحدة.
وعليه، ليست وِحْدَة الوجُوْد أنَّ الوجُوْد منحصر بذات الحق، بل حقيقة الوجُوْد حقيقة واحدة، ولكن هذه الحقيقة حقيقة ذي مراتب، فواحدة من مراتبها هي الغنى والكمال والتي هي مرتبة “ذات الحق”.
وذلك الشعر الذي لـ”الحاج السبزواري” يريد فيه بيان هذا المعنى (وهو ينسبه للفهلويون، وإن كان هذا الانتساب غير صحيح):
الفهلويون الوجُوْد عندهم…
حقيقة ذات تشكك تعم
مراتب غنى وفقرا تختلف…
كالنور حيث ما تقوي وضعف
وبالطبع؛ فهذا البيان يعدُّ بيانا مبدئيا، فهذه المسألة تطرح للمتعلم المبتدئ بهذه الطريقة.
وبالتأكيد، فإنَّ طرح الملا صدرا في البداية يكون بهذا الشكل أيضا، ولكن بعد ذلك -وبالحفاظ على تلك النظرية القائلة: بأن حقيقة الوجُوْد هي حقيقة ذات مراتب- يُصْبِح هذا البحث -بالتدريج- لطيفا فلطيفا، حتى يصل إلى الحد الذي سأعرضه لاحقا.
البيان الثالث لـ”وِحْدَة الوجُوْد”
البيان الثالث لـ”وِحْدَة الوجُوْد” هو هذه النظرية الخاصة للعرفاء؛ وهي كالتالي: الوجُوْد هو واحد من جميع الجهات، وهو بسيط ومُطلق، ليست هنالك أية كثرة فيه، ليست كثرة الطولية ولا العرضية، لا كثرة بشدة وضعف، ولا بغير شدة وضعف، حقيقة الوجُوْد منحصرة بواحد وهو الله.
فالجود يعني وجُوْد الحق، غير الحق مهما كان فهو ليس وجُوْدا، بل هو مظهر -وهذا تعبير وتشبيه ليس إلا- فكلُّ ما نراه غير الحق هو واقع ليس وجُوْدا، هو مظهر للوجُوْد وليس وجُوْدا، هو ليس حقيقة بل رقيقة، وعلى حسب تعبير العرفاء أنفسهم هو مثل المظهر الذي يظهر في المرآة. فإذا ما رأينا شخصا أمامه مرآة، ونظرنا له من خلال المرآة، فما نراه في المرآة هو شيء بالنسبة لنفسه، ولكن واقعيته هي أنه عبارة عن صورة وظل هذا الشخص. فلا يُمكننا القول بأنَّ هذا موجُوْد وذاك موجُوْد آخر، فذاك ظهور لهذا فحسب. ومن هنا، نرى أن العارف يسلب الوجُوْد عن غير الحق، ويرى ما عدا الحق مظهرا فحسب.

وبالطبع، يوجد في هذا الموضوع كلامٌ كثير، وأننا قد بحثنا فيه قليلا في الجزء الخامس من كتاب “أصول الفلسفة والمذهب الواقعي”. وقد ظهر اختلاف نظر شديد بين الفلاسفة والعرفاء؛ فالفلاسفة لم يقولوا بهذا الكلام في أي وقت ما. ولكن نظرا لتلك النظرة التي أوجدها الملا صدرا في باب حقيقة الوجُوْد -وهي أنَّه كان يرى أن حقيقة الوجُوْد هي صاحبة مراتب- وبانضمامه لأصل آخر لها، والذي يعتبر تقريبا من القمم الشامخة لفلسفة صدر المتألهين، والذي بينه بهذه الصورة (بسيط الحقيقة كل الأشياء وليس بشيء منها)؛ بمعنى أنَّ ذات الحق والتي هي بسيطة الحقيقة، هي عبارة عن جميع الأشياء، وفي عَيْن الحال ليست هي واحدة من الأشياء أيضا، فإنه بهذا قد جمع إلى حدٍّ كبير بين نظرة الفلاسفة والعرفاء.

وبالتاكيد، فإنَّ العرفاء -وبدون أن يقولوا بوجُوْد الأشياء- فإنهم في بيانهم قد ذكروا “بسيط الحقيقة” أيضاً، ولكن ليس بهذا التعبير ولا على هذا الأساس. أمَّا صدر المتألهين، فقد بيَّن ذلك على أساس فلسفي؛ بمعنى أنَّ تلك المسألة التي قال بها العرفاء والتي هي قابلة للإدراك بإشراق قلبي فحسب، ولا يمكن فهمها بالعقل، قد أثبتها الملا صدرا ببيان عقلي.

وهذا هو أحد الأماكن التي وُفِّق بالجمع بين نظر العقل ونظر العرفان، والتي تعدُّ إحدى المسائل القيمة في فلسفته، وهذه الجملة: “بسيط الحقيقة كل الأشياء وليس بشيء منها” له.
وفي كتاب “البحث في التصوف” للدكتور غني يقول: وإنَّني لأتعجب من مدى شجاعة هؤلاء في قولهم لهذا -أول من قال بهذه الجملة هو الهادي السبزواري- في الوقت الذي للملا صدرا كتب مليئة بهذه الجملة، وأصلا له باب تحت هذا العنوان. فالدكتور غني -ومن حيث كان لا يملك سوى كتب الهادي السبزوايي في حينه، أو أنه سمع بذلك من أحد- تخيَّل أنَّ أوَّل من قال بذلك هو هذا.

وطبقا لهذه النظرية، فإنَّ نظرتي العرفاء والفلاسفة تجتمعان إلى حدٍّ بعيد؛ بمعنى أنَّ صدر المتألهين، ومن حيث كان يقول بوجُوْد مراتب للوجُوْد، فإنه في عَيْن الحال قد صحَّح قول العرفاء أيضًا، بأنَّ العالم عبارة عن ظهور؛ لأنَّه وجُوْد، وفي عين الحال هو وجُوْد لظهور وجُوْد آخر.

كان ذلك مِقْدَارا من بيان “وِحْدَة الوجُوْد”، ولقد تكلَّم العرفاء في هذا الموضوع كثيرا، تحدَّثوا كثيرا، وبتعبيرات مُختلفة (3).

—————————————————-

الهوامش:

(1) لم أقُم بترجمة ما بَعْد هذا حتَّى بداية البحث في مسألة “وِحْدَة الوجُوْد”؛ حيثُ قد ألقى الشيخُ هنالك نظرةً عابرةً على هذهِ المسائل الآتية، والتي تعدُّ أصولًا عرفانية؛ وذلك مثل: مسألة وِحْدَة التجلي، ومسألة العشق، ومسألة الحياة والتسبيح لكل الموجُوْدات، ومسألة العدل وجمال وتوازن الموجُوْد في العالم كله، ومسألة رجوع الأشياء للحق تعالى، ومسألة غُربة الإنسان، ومسألة العقل والعشق في المعرفة. وقد شَرَحَ الشيخُ أكثر هذه المسائل هناك تحت عنوان “أصول النظرة الكونية العرفانية”.
(2) هُنَاك أبيات أخرى يَذْكُرها الكاتبُ للسعدي، ولكنْ لا طاقة ولا جَلَد لي بترجمتها هنا.
(3) تعبيرٌ آخر من تلك المسألة التي وَرَدَتْ كثيراً في كتاب “نهج البلاغة” (ليس في الأشياء بوالج، ولا منها بخارج) خطبة 184. أي: ليس في الأشياء وليس خارجًا من الأشياء، ويُمكننا رُؤية هذا الموضوع في “نهج البلاغة” بتعابير عجيبة!

696 total views, 5 views today