RMJ

رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

 

مِنْ كَمَال المرء عُمْق بصيرته، وحُسن فعله، ونوعية اختياره للمشاريع، وسعة دائرة المنفعة للبشرية، وكلما كبُرتْ المسؤولية ازدادت دقة انتقاء المشاريع؛ حيث تزداد خطورة الفشل. وطبيعة ونوعية النتائج من المشاريع والسياسات التي يختارها الإنسان الملهم هي التي تجلب السعادة وتنشر العدالة للإنسانية، ويرجع ريعها لجميع الأديان والمذاهب ومختلف المِلَل والنِّحَل بعيدة كل البُعد عن المحلية، أو الطائفية، أو المذهبية، إذ لا تحدها ظروف الزمان والمكان؛ حيث يضعها لتقطف ثمارها كل البشرية حيناً بعد حين.

فإذا كان العائد الدنيوي، وطلب الجزاء العاجل، والسُّمعة الطيبة، هي الدافع الرئيسي للعمل، فإنَّ بعضَ الأعمال الحكيمة والأفعال الناشئة من حِسِّ العدالة -والتي تهدف إلى الوئام بين البشر- خارجة عن نوعية الجزاء المحدود، ولا تشابه بينهما وبين ما يُقدَّم كمقابل لذلك العمل، ولا تستوفي حقها الدروع والكؤوس مهما عظمت وعلا صيتها في المحافل العلمية وأزقة القرارات الدولية.

يسردُ البروفسور جارث فودن أستاذ كرسي السلطان قابوس في جامعة كامبريدج -في محاضرته الافتتاحية- تجربته في البحث عن القواسم المشتركة بين الأديان الإبراهيمية الثلاث -اليهودية، والمسيحية، والإسلام- حيث ينقل مشاهداته عن اهتمام جلالة السلطان واهتمامه الشخصي لتقريب واكتشاف الأسس المشتركة للأديان السماوية الرئيسية. ويعتبر هذا الاهتمام من قبل جلالته حالة نادرة واستثنائية في منطقة وبيئة اعتادت على التراشق والطعن والتسفيه عند أبسط الاختلافات المذهبية، فضلاً عن الاختلافات بين الأديان.

إنَّ اهتمامَ جلالته بالمساعي السياسية وتقريب وجهات النظر بين القوى المتصارعة لتجنيب المنطقة حروباً ودماراً، راجع إلى سعة أفقه السياسي، ورؤيته الإستراتيجية في العلاقات الدولية. أما اهتمامه بالجوانب التصالحية بين الأديان، فمنشؤه عُمق نظرته الإنسانية، وسعيه إلى ما فيه الخير للبشرية جمعاء. وكما آتَتْ المصالحات السياسية أُكلها في حينها بين الأطراف ذات العلاقة، ستؤتي مشاريع التقريب بين الأديان أُكلها كلَّ حين ولو بَعْد حين. هذا إذا ما سعت القيادات الدينية في العالم لرأب الصدع بين الأديان الإبراهيمية الثلاث.

واللبنة الأولى التي غرسها جلالته تحتاج إلى الري والرعي، ولا ينبغي أن تقبع هذه المبادرات في أروقة بعض الجامعات الغربية، وتذوب بين الأوراق العلمية والمجلات المحكمة، بل يجب أن تتحوَّل إلى مشاريع عملية حتى تأخذ باهتمام الإعلام، وينبغي لأهل العلم والاختصاص وأصحاب الشأن أن يُبادروا إلى تنمية هذه الشجرة الطيبة.

وإذا كان البعض في المنطقة يتحسَّس من الجلوس على طاولة واحدة مع أخيه المسلم الذي قد يُخالفه في بعض الجزئيات المذهبية، فَأَنَّى له بالجلوس تحت قبة واحدة مع علماء الأديان السماوية الأخرى. أما نهج التسامح وقبول الفكر الآخر، فبعيد غَوْره وواسع مداه، وسيدرك التكفيريون وأصحاب البدع والفكر الجاهلي ما لهذه المشاريع من خير للأمة الإسلامية.

هذه المبادرات النادرة التي لم يطلع عليها الكثير، إضافة إلى الجوانب الثقافية لجلالة السلطان المعظم -حفظه الله- يتناولها المشهد في ملف هذا العدد. وسعينا إلى اكتشاف جانب آخر من شخصية جلالته.

نسأل الله سبحانه أن يُديم علينا نِعَمه ظاهرة وباطنة، وأن يُبارك للشعب العُماني العيدَ الخامس والأربعين تحت القيادة الحكيمة لجلالته.. وآخر دعوانا أنْ الحمدُ لله رب العالمين.

2,505 total views, 2 views today