أنيسة الهوتي


لا أدري كيف أباشر الكتابة في هذا الموضوع، ولكن كلنا كُنا صغاراً في زمنٍ ما! فأنا أيضاً كنت شابة صغيرة، ومَررت بالعشرينات وما قبلها، وثم الثلاثينات المختومة قريباً، والأربعين الجميل الذي دخلته ونظرت من نافذته إلى ما مضى فرأيته ممتلئً بالمواقف والمشاعر الملونة والمختلفة من فرحٍ وحُزن، أملٍ وَخيبة، تقاعسٍ وإجتهاد، نشاطِ وكَسل، عقلٍ وطَيش! وليس هناك إنسانٌ خلت صحائفه من الطيش، والطيش يشمل التصرفات أو الأقوال الغير عقلانية حتى وإن كانت بعد تفكير وتخطيط طويل! ويختلف طيشٌ عن طيش! فهناك أنواعُ طَيشٍ  خفيفة تكون طريفة، ظريفة، لطيفة!

ومن هذا المبدأ الذي يراه كل إنسانٍ عاقلٍ إرتقى به العمر بعد طيش، يجب توفير العذر للطائشين من صغار السن، وإحتوائهم مع التوجيه الصحيح المغلف بالحب والمودة والموعظة الحسنة، أما وسيلة العقاب فتأتي بعد تكرار التصرف الطائش، ونضطر إلى التهاون في ردة الفعل إذا كان الفعل عفوياً غير مستقصد وَلَم يرتد عنه ضرر للفاعل ولِمَن حوله بإستهداف.

ورغم أن المحيطين بي يصفونني بالعاقلة إلى حد الملل منذ طفولتي، إلا أنني أعترف بأني أنا أيضاً مررتُ ببضعة مواقف طيش في مراحل حياتي، وأكثر المواقف جنوناً هو حين كان لي من العمر 17 عاماً، وسمعتُ عَن بيتٍ مهجور تصدر منه أصواتٌ مخيفة اشبهُ ببكاء طفل، وأحياناً كمواء قطة أو نُباح كلب أو حتى نهيق حمار! أو أصوات “خرخشات” غريبة تشمل خرير الماء خاصة بعد منتصف الليل! وأهل الحارة القديمة تلك يتفادون المرور بأجناب البيت خشية التعرض للضرر!

ولم تفارق قصة البيت المسكون عقلي، وأكل بي الفضول ما أكل! فتحدثت إلى إثنانِ من محارمي الشجعان المقاربان لعمري، بأننا يجب أن ندخل إلى هذا البيت ونرى ماذا به؟ ولربما من أسلوبي في الكلام معهما وافقا على ذلك وفي قرارة نفسيهما كانا غير راضيين، وفي الليلة المتفق عليها خرجنا خلسة بعد صلاة العِشاء التي صليناها وكأننا نصلي تروايح العشر الأواخر من رمضان، وأخذت مصحفاً صغيراً معي حتى يحمينا من الضرر، وبعد أن تسلحنا بقراءة المعوذات وآية الكرسي والاذكار نوينا الدخول إلى حدود العدو، وما أن فتحنا الباب الخشبي المهترئ القديم إلا وصوت الباب يُصر صريراً وكأنه جنيٌ صحى من نومه، ولوهلةٍ قفزت إلى حوش البيت القديم ونظرت ورائي فإذا بي أرى ظل شخصٍ واحد، والثاني قد إختفى! فتقدمت إليه وهمست له، أين فُلان؟ قال لي: لا أعلم، هل أخذه الجِن؟ قلت له: الجِن لا يأخذ هكذا، لربما دخل إلى إحدى هذه الغرف! فلنصمت ونرى من أين يأتي الصوت، ونتوجه إليه! وبعد دقائق ونحن واقفان في منتصف الحوش، فجأة سمعنا صدى بكاء طفل! فإلتفتُ إليه حتى أقول له هيا بنا إلى الصوت، ولكنني لم أجده! وباب الحوش باقٍ كما هو حين فتحناه ودخلنا! فبقيت لوحدي وشعرت بقليلٍ من الخوف الذي تسبب لي بتنمل اصابع قدمي، ولكنني قاومت وتوجهت إلى المطبخ الذي كان مصدراً للصوت، وعندما دخلت أحسست بالهواء الشتوي البارد الخفيف يهب على قَدَمي، فوقفت في مكاني وأنا أقرأ كل ماحفظته من القرآن، وأحرك بؤبؤي عيناني يمنة ويسرة حتى أجد زَميلاي في المهمة ولكنهما كانا قد إختفيا! وفجأة سمعت صدى أقوى لبكاء الطفل يخرجُ مِن الأرض، تبعه مواء قطة ثم نباح كلب، فتسمرت في مكاني ونطقت بالشهادتين وإستغفرت ربي بأنني أوقعت نفسي في التهلكة وأنا منهية عن ذلك! وبينما أنا كذلك، إنتبهت إلى ضوءٍ خافت من زجاج نافذة المطبخ الملون القديم، فتوجهت ببطء وفتحت النافذة فإذا بي أسمع صوت طفل يبكي من بيتٍ قريب! فحاولت الخروج من النافذة عبر وقوفي على برميلٍ قديم، وحين خرجت من خلالها سقطت خارجاً، ورأيت أمامي قطة سمينة “باغور” سوداء تبحلق بي بعينيها الخضرواتين، فوقفت بسرعة في مكاني وإذا بها لاتزال تنظر إلي، حاولت أن أبعدها عني ولكنها كانت قطة “لصقة” وبدأت تموء مواءً مزعجاً، وفجأة سمعت صوت كلبٍ ينبح من بعيد راكضاً مُتوجهاً نحو القطة، ولخوفي الكبير من الكلاب هرولت بجنون بين السكيك والكلب المسكين يُلاحقني لأنني أثرت أنتباهه.  وبينما أنا أركض، إذا بشخص رمى الكلب بعصى وآخر رماه بحجر فذهب عني، وإذا بقريباي اللذانِ هربا من المنزل! وقد توقعت بأن الجِن قد أخذهما!

فنظرت إليهما بنظرة غضب شديد، وقلت: يا جُبناء، تركتُماني وحيدة في البيت المسكون!

فقال لي أحدهما: بل أنتي الجبانة، لم تستطيعي أن ترمي الكلب بحجر حتى يذهب عنكِ؟

فرد عليه الآخر: أسكت عنها، لاتعلم هل هي أنيسة فعلا أو إنها جنية متلبسة فالكلاب ترى الجِن!

فنظرت إليهما نظرة حمراء، وبدأت أقترب منهما قليلاً قليلاً بخطوات مُثقلة، وفجأة صرخ الأول: أعوذ بكلمات الله التامة من كل عين لامة.. وأكمل الدعاء والآخر بدأ يقرأ المعوذات وتلقائياً إنفجرت ضحكاً ولم أستطع أن أتوقف وهربا عني بعيداً.

وإقتنعت بأن الماسورة المكسورة في المطبخ هي كانت تجذب الأصوات الخارجية إلى البيت المهجور وتفخمها بالصدى، ويسمعها الناس من البيت ويظنون بأنه بيت مسكون!

وفي النهاية طبعاً، لم نُعاقب على فعلتنا هذه لأنه لم يعلم بها أحد إلى يومنا هذا! وشريكاي في الجريمة وإن كانا جبانين إلا أنهما أمينين في حفظ الأسرار!

وكمثل هذه الفوضى وهذا الطيش العفوي الفضولي الذي تصرفنا به، هناك الكثيرون من مِثلنا من شباب وشابات في أيامنا هذه، فالفضول أحياناً لا يقاوم خاصة لصغار السِن.

وعلى أولياء الأمور التعامل مع أبنائهم الطائشين وقَتل فضولهم بِفَنٍ مُتقَن، دون عقوبة صارمة أو إيذاء جسدي ونفسي وعَقلي.  دَعوا عقولهم تتفكر، فبعض الفُضول يُثمِر!

 1,639 total views,  8 views today

Hits: 68