رؤى جوني

كاتبة من سوريا


لم يدرك سامر حين صحا من غيبوبته المكان الذي هو فيه، تأمل ما حوله باستغراب، متسائلا بينه وبين نفسه: هل أنا ميت؟

وجد نفسه مرمياً على ما بدا له شاطئ باهت, وحوله مجموعة من الوجوه المريبة التي كانت تنظر إليه باستغراب، كأنه أعجوبة، بلباس البحارة الأبيض الذي كان يرتديه وشارته الذهبية اللامعة، وعيناه الزرقاوان الضيقتان، كان كل ما حوله له لون واحد وهو اللون الرمادي (الوجوه، اللباس، البحر، الأزهار،الشاطئ …)

تذكر ما حدث معه هو المسافر دائما عبر المحيطات والبلدان، والعاصفة الرهيبة التي هبت وجعلت سفينته تغرق فاستخدم من كان عليها قوارب النجاة، ثم غيابه عن الوعي بعد أن ضربت موجة هائلة قاربه ورمت به على هذا الشاطئ الغريب.

سأل من حوله: أين أنا؟

أجاب احد الأشخاص: أنت في جزيرتنا جزيرة (عش الطيور)، ما اسمك ؟ومن أين أنت؟ هل هبطت من السماء؟

أجاب: أنا سامر المسامر المسافر دوما أجوب بسفينتي كل البلدان، رمت بي أحدى العواصف على هذا الشاطئ الذي لم أر مثله من قبل.

قال احد الرجال: وهل هناك أماكن أخرى موجودة غير جزيرتنا هذه؟

قال سامر: بالتأكيد، في العالم أماكن كثيرة جبال ووديان وصحارى وبحار

ثم توقف عن الكلام لإحساسه بالتعب الشديد، فأخذه أحد الرجال إلى منزله ليرتاح وقدم له الطعام والشراب.

لاحظ أن البيوت قديمة الطراز و لا تحتوي أية وسيلة من الوسائل التقنية الحديثة، ومع توالي الأيام وبقائه بين أبناء الجزيرة، استوعب نظام حياتهم الرتيب ومعيشتهم المعتمدة على زراعة بعض المزروعات القليلة، أما علاقاتهم الاجتماعية والتواصل والود بينهم  فقد كان باردا وقليلا جدا.

واستنتج بينه وبين نفسه، أن عدم الرغبة في التواصل مع الآخرين، وقلة معارف أهل الجزيرة هو الذي جعلها مجهولة وبعيدة عن العالم.

ولكنه عجز عن معرفة سبب اللون الرمادي الطاغي على كل شيء فيها، وعجز أيضا عن إيجاد طريقة تخرجه منها ليعود إلى وطنه، فكان لابد من أن يتأقلم مع الحياة فيها.

توالت الأيام والشهور على الجزيرة دون هطول مطر، فاقترح سامر على أهل الجزيرة حفر بئر للمياه، فسألوه ما معنى بئر؟ فشرح لهم  بالتفصيل، واستغربوا جدا إمكانية وجود مياه داخل حفر يحفرونها في الأرض، ولم يجدوا بدا من التمسك بخيط أمل يعينهم على الخلاص من القحط والعطش

فقسمهم سامر لمجوعات عمل يتناوبون على الحفر، فوافقوا ،ولأول مرة في حياتهم يتفقون على انجاز عمل واحد.

بعد أيام من الحفر والكد ظهرت المياه العذبة في أحد الآبار وتدفق الماء منه، فرح أهل الجزيرة وكانت المفاجأة التي حدثت بعد ذلك، أن بشرة كل من ساهم بالعمل تلونت، وعادت إلى لونها الأصلي  السمراء أو الحنطية أو البيضاء، وكأن المياه التي تعاونوا على استخراجها قبل أن تسقي الزرع روت وجوههم وأظهرت إنسانيتهم.

بعد ذلك هذا الانجاز، علّمهم سامر طريقة لنقل مياه الآبار عبر الأقنية  إلى الحدائق والحقول الزراعية، وبعد جهد مضن من الجميع نجحوا بذلك، ووصلت المياه، وكانوا أثناء جهدهم وعملهم يلاحظون تغير ملامح وجوههم وغياب اللون الرمادي الباهت، فتلّونت أحداق أعينهم ولمعانها وكذلك ألوان شعرهم .

وانتعش الزرع، فنما وأصبح شجرا أخضرا غنيا بالثمار، و نبتت خضار وفاكهة من مختلف الألوان، وتحولت الجزيرة الكئيبة لجنة صغيرة وارفة الظلال كثيرة الخيرات.


رابطة ثقافة الطفل العربي
– د. مصطفى عبدالفتاح رئيسا – سوريا
– الناقدة صفاء البيلي – مصر
– المدربة والكاتبة أمينة الرويمي – الجزائر
– الكاتبة والمترجمة أسماء عمارة – مصر
– التربوية الباحثة فاطمة الزعابي – سلطنة عمان

 1,085 total views,  2 views today

Hits: 86