د/ أنيسة إبراهيم السعدون


– الملخّص:

     يُعَدُّ أدبُ الأطفالِ أحدَ المصادرِ المهمّةِ في تغذيةِ التجربةِ الإنسانيّةِ للطّفل، كما أنّه أداةٌ معرفيّةٌ هامّة لترجمةِ وتصوير الرؤى والموجودات التي لها عميقُ الأثر في تكوين هويّته. ولقد رأيتُ أن أتناول جانبًا إشكاليًّا يتمثّل في وجوه العلاقات الجدليّة للقيم التربويّة والتعليميّة والفكريّة والوطنيّة والإنسانيّة في أدب الأطفال، ودورِها في بناء شخصيّة الطفل من مستويات متعدّدةٍ قمينةٍ ببناء هويّته؛ وذلك بغاية الإجابة عن الأسئلة الآتية:

– الأوّل: كيف يُمْكِنُ أنْ يُسْهِمَ أدبُ الأطفال في تشكيلِ شخصيّةِ الطفل ونموِّهِ المعرفيّ والنفسيّ والاجتماعيّ؟

-الثاني: ما المنظومة القيميّة المبتغى صياغتُها من قصصِ الأطفال؛ لتكوين خطابٍ ثقافيٍّ مأمولٍ للطّفل العربيّ؟

– الثالث: ما الهويّةُ الفكريّةُ والجماليّةُ التي تَرْسُمُها قصصُ الأطفال؟ وكيف يمكنُ أن نربِطَ بينَها وبين الواقع الثقافيّ العربيّ في حاضرِه الراهنِ وما به من تحدّيات؟ وبينَها وبين الصورةِ المستقبليّة المأمولة للطّفل العربيّ؟

     وسأتعرَّضُ لهذه القضايا في مجموعةٍ من قصص الأطفال للكاتبِ البحرينيّ إبراهيم سند؛ إذ يُمْكِنُ اعتبارُها نماذجَ تستوفي متطلّباتِ البحث.

     وممّا يُمْكِنُ أنْ نَخْرُجَ به من هذه الدراسةِ هو أنّ أدبَ الأطفال يمثّل ركيزة من الركائز التي يُمْكِنُ التوسُّلُ بها لبناء هويّة الطفل، كما يجسّد جملةً من المقاصد الفكريّة والجماليّة لها قيمةٌ كبيرة في تجلية الكثير من الإشكالات والأسئلة المثارة في أدب الأطفال، بما يَشُفُّ عن عَلاقتِها الجدليّة بأنساقٍ ثقافيّة متعدّدة تدعو إلى أهمّيّة التجديد الدائم في البنى الفنّيّة، والقيم الفكريّة لأدب الأطفال؛ بما يجعله في تفاعل مستمرّ مع المحيط، وييسّر عليه الانسجامَ والتواصلَ مع ما يطرأُ على الطفل والواقع من تغيّرات.

     فكيف تبدّى كلُّ ذلك؟

أوّلاً- بناء الشخصيّة، وتعميق الوعي بالذات:

     كيف استطاع الكاتب سند أن يبنيَ وعيَ الطفل في علاقته بذاته والمحيطِ مِنْ حولِهِ؟ ثمّةَ قِصَصٌ كثيرةٌ سعى فيها سند إلى بناء قِوامِ شخصيّةِ الطفل، وتعميقِ وعيِهِ بذاته والمحيطِ حولَهُ، وأيضًا إثراءِ مدركاتِه بالمعلومات، وتعزيزِ مجموعة من القيم والاتّجاهات الإيجابيّة، وتطويرِ مهاراته، إذ انطوت مجموعةٌ من قصصه على نزعة تعليميّة واضحة، وذلك بحسب ما تقتضيه المرحلةُ العُمْرِيَّةُ للطفل، وما يتناسب ومعطياتِها، وأهمُّ المفاهيم والمعارف التي ينبغي تعريفُ الطفل بها، أو ترسيخُها فيه، سواءٌ في علاقته مع نفسه، أم مع محيطه باختلاف مكوّناته. ومن ذلك قصّةُ (من أنا؟)[1] التي تعرّفُ الطفلَ بالصفات والمقوّمات التي تميّزه من بقيّة المخلوقات، وتنبِّهُهُ على أهمّ الفروقات بينه وبينها.

    وممّا يسترعي الانتباه على مستوى البناء الفنّيّ أنّ أحداث القصّة جاءت بسيطة، فهي مجرّد حلقات يتّصل بعضُها ببعض، ولا تتصاعد فيها الأحداثُ لتكوّنَ عقدةً واضحة؛ فالهدف الأبرز هدفٌ تعليميّ ينشدّ إلى تعريف الطفلِ الحواسَّ الخمسَ التي يُمْكِنُ من خلالها التعرّفُ على نفسه والعالم من حولِه عن طريق التجربة التي تقوده إلى معرفة المحيط، وهو ما يتلاءم ومرحلةَ التفكيرِ الحسّيّ التي يكون عليها طفلُ ما قبلَ المدرسة.

     ولعلّ مجيء رَسْماتِ القصّة على الطريقة اليابانيّة (المانجا) التي تعتمد الرسمَ الكرتونيّ كان وظيفيًّا جدًّا؛ إذ نجحت هذه الرسماتُ في تجسيد أهمّ الفروقات بصورة واضحة ومعبّرة قد تَعْجَزُ الصورُ الحقيقيّة عن تقريب حقيقيةِ هذه الفروقات وإيحاءاتها إلى ذهن الطفل الذي يميل في هذه المرحلة إلى التضخيم والمبالغة. ويُمْكِنُ الاكتفاءُ- في سبيل توضيح ذلك- بالأوصاف الآتية لبعض الرسمات، مثل: إبراز أنيابِ القطّ برسم مثلّثاتٍ ذاتِ رؤوسٍ حادّة بما يجعلها مُغايِرَةً لأسنان الإنسان، ورسمِ جناحِ عُصْفورٍ يحلّق من دون جسمه لتنبيه الطفل على وظيفة التحليق التي ليست للإنسان، ورسمِ أرنب ميّت بما يحفّز مُخَيِّلَةَ الطفل على بناء حدث آخر، وهو وقوعُ الأرنبِ فريسةً للنّسر الذي يتميّز من الإنسان بأكل اللحم النِّيْءِ. لقد أضفت تلك الرسماتُ على القصّة طابعًا حيويًّا يستثير الطفلَ، ويَجْذِبُ انتباهَهُ، ويحرّكُ توقّعاتِه، ويقرّبُ الفكرةَ إلى مُخَيِّلَتِهِ بما ينسجمُ وعالمَه المفعمَ بالخيال، والمنشدَّ إلى المبالغة في وصف الأشياء والموجوداتِ ومحاكاتِها.

     وإلى جانب هذه القصصِ التي تعرّفُ الطفلَ على نفسه، وما يميّزُه من غيره من المخلوقات، ثمّة قِصصٌ تَبْرُزُ فيها النزعةُ التعليمية بشكل واضح لتعرِّفَ الطفل على الظواهرِ الطبيعيّة، وتعلِّمَهُ عواملَ حركتِها، وأسبابَ نشوئها، ومِنْ ذلك قِصّةُ (رحلةِ قَطْرَة)[2] التي سَرَدَتْ بأسلوبٍ قصصيٍّ جاذبٍ ومشوِّقٍ ظاهرةً علميّةً مجرّدة، وهي كيفيّةُ سقوطِ الأمطار. إذ تحكي قصّةَ الغيومِ والرعد والبرق وهي تقيمُ حفلاً موسيقيًّا لتتساقَطَ الأمطارُ، وعند رحيلٍها فرّت منها غيمةٌ واحدة أرادت أن تتأكّدَ من إفراغها جميعَ الماء الذي بها، فهبطت منها قطرةٌ واحدة، وراحت تتدحرج بين الزهور، والحقول، حتّى طلعتِ الشمسُ، وتبخّرت تلك القطرةُ مرّة أخرى، فصعدت إلى الأعلى، وعندما لامستِ الأجواءَ الباردة تكثّفت، وعاودت رِحلتَها الممطرة من جديد.

     نقف على هذا الجانب التعليميّ الواضح أيضًا في قصّة (الحشرات الموسيقيّة) [3] التي توضّح للطفل فائدةَ الحشرات، وأهمّيّتَها بالنسبة إلى الدورة الحياتيّة الطبيعيّة، حيث “توزِّعُ البذورَ من زهرة إلى زهرة، فيَنْضُجُ الثمر، والنباتاتُ تزداد طولاً”[4].

     وقد استطاع الكاتب ببراعة من خلال قصّة (البطيخة القويّة)[5] أن يوضّح للطفل كيف تكونُ الدورةُ الحياتيّة، وكيف يُمْكِنُ للحياة الطبيعيّة أن تستمرَّ باقتيات بعضِ المخلوقات الحيّة على بعضها بعضًا ممّا يؤدّي إلى التوازن البيئيّ، ويُبْقِي دورةَ الحياة مستمرّة، وقد تأدّى هذا التوضيح بمشاهدَ ممتعة، وأسلوبِ جاذب بعيدًا عن الترويع الذي قد تخلّفه مشاهدُ الافتراسِ الحقيقيّةِ في نفس الطفل.

     تلك هي أولى المداخلِ إلى عالم الطفل، ولا بدّ من ترجمتها إلى دلالات أعمق بالتحام الطفل بالمجتمع في تكتّلاته البشريّة المتنوّعة وفضاءاته وتاريخه، وما تنطوي عليه من علاقات متشابكة تحيل إلى أنظمة تربويّة وثقافيّة ودينيّة واقتصاديّة وسياسيّة، وما تفرضه من قيم وفكر ورؤًى ومواقف. وهو ما سنقف عليه في العنوان الآتي.

ثانيًا-قيمٌ ووظائف:

     ما سِرُّ وُثُوقِ العلاقة بين القيمِ وقِصَصِ الأطفال؟ ليس من شكّ في أنّ هذا السؤالَ طُرح كثيرًا على مدار تاريخ أدب الأطفال، فقد شكّلت إشكاليّةُ القيم إحدى القضايا الجوهريّة لقصص الأطفال، وشغلت عددًا مهمًّا من كُتّابها ودارسيها الذين نزعوا إلى طرحها بأشكالٍ متعدّدة ترجع إلى اختلاف الزوايا، وتنوّعِ الرؤى التي ينظرون منها إليها. ولعلّ من أبرز الأسباب الداعية إلى الاهتمام بمعالجة القيم في قصص الأطفال هو أنّها “تتطوّر بداخل بنية أخلاقيّة واضحة”[6]؛ وهو الذي ينبغي استغلالُه لتحقيق وظيفة جوهريّة تتمثّل في تربية الأطفال فكريًّا وجماليًّا؛ إذ إنّ الهدفَ الأساسيَّ المرصودَ لأدبِ الأطفال هو “التعليم والإمتاع في آن معًا”[7]، وهذان العنصران هما اللّذان يَعنيان الدِراسة، وما يتّصل بها من مسائلَ وقضايا بعضُها يخصّ الطفولة في مفاهيمها وتصوّراتها ورؤاها بصورة نظريّة، وبعضها يتّصل بنماذج من قصص الأطفال للكاتب سند؛ بُغيةَ الوقوف على أبرز القيم فيها، ومدى قدرتها على تأسيس هويّةٍ للأطفال تجعلهم قادرين على اكتشاف الذات في أبعادها التاريخيّة والثقافيّة والحضاريّة، ومؤهّلينَ للتفاعل مع معطيات الحاضر ومقتضياته، ورؤى المستقبل وتطلّعاته.

     لقد اهتمّ سند من خلال قصصه كثيرًا بتأسيس منظومة قيميّة للطفل، وتوضيح نهج سويٍّ له في التعامل مع الآخرين، وذلك عبر التحلّي بالأخلاق الحميدة، ونبذ الذميمة، ومن تلك القصصِ قصّةُ (عصيدةِ الفواكه)[8] التي تحكي بأسلوب سرديّ معبّر كيف يكون الإيثار سبيلاً لكسب محبّة الناس، ووسيلةً لترسيخِ مفاهيمَ توثِّقُ العَلاقاتِ الودودةَ بينَهم، وتمتّنُ روابطَ الأخوّة. ويَبْرُزُ في هذه القصة دورُ الكاتب القادر على أن يجسّد معانيَ قد تَدِقّ على فهم الطفل؛ إذ نسج أحداثًا بسيطة جسّد من خلالها للطفل كيف يُمْكِنُه ممارسةُ معانٍ لطيفة في واقعه الحياتيّ مثل ردّ الجميل، والاعترافِ بالفضل.

     أمّا قصّة (الحمار الأنيق)[9] التي جاءت على ألسنة الحيوانات فغايتها تحذير الطفل من مغبّة بعض الأخلاق الذميمة كالغرور والتكبّر والبخل والاستهزاء والأنانيّة، وتوضيحُ أهمّيّة الاعتراف بمحامد الآخرين، كما بيّنت من خلال درس تطبيقيّ بأسلوب سرديّ بسيط وواضح أهمّيةَ الاختلاف بين الناس، وكيف يمكن عن طريقه أن يكون التكامل. وهذا الدرس يتأكّد أيضًا في قصّة (الديك المغرور) وقصّة (ذات الريش الناعم) اللّتين كشفتا عن أهمّية التواضع، وعاقبة الغرور، والسخرية من الآخرين.

     وفي قصّة (الأسد والحطّاب) [10] يرشد الكاتب الطفل بأسلوب محبّب يثري خياله إلى عدم التسرّع في اتّخاذ القرار، وعدم الانسياق وراء رغبات النفس من دون التفكير في آثار تلك الرغبة وأبعادِها عليه. ففي هذه القصّة مزج الكاتب بين الإنسان والحيوان بما أضفى عليها طابعًا عجائبيًّا؛ ليحكي قصّة ملك الأسود الذي أُعْجِبَ بابنةِ الحطّاب، وأراد الزواج منها؛ فاشترط عليه الحطّاب أن يَخلِعَ أنيابَهُ، ولمّا فعل نقض الحطّاب وعدَهُ، فنَدِمَ الأسدُ على ما فعله بنفسه، من دون تفكير ونظر في العواقب.

    إنّ تعامل سند مع الطفل، وفهم احتياجاته واهتماماته ومستويات تفكيره، وما ينبغي غرسُهُ فيه، وتنميتُه، وتعزيزُه على الصعيد النفسيّ والأخلاقيّ والفكريّ، لم يتوقّف عند حدود الطفل في علاقته بذاته ومقوّماتها المختلفة، بل دعاه إلى الاهتمام بتلك القضايا المتنوِّعة التي تربط الطفل بوطنه، ومجتمعه، والعالم من حوله.

     ومن ذلك القصص التي تؤسّس عند الطفل الهويّة الوطنيّة، وتدلّه على أهمّ الأخلاق والقيم التي عليه التمسّك بها؛ ليكون مواطنًا مسؤولاً يقدّر قيمة الوطن، ويحرص على أرضه والدفاعِ عنها، وعن آثارها التي تَعْكِسُ هُوِيَّتَها، على غرار قصّة (وطن النخلة)[11] التي تؤكّد أهمّيّة التشبّث بأرض الوطن، مهما كانت الظروف، كما تحثّ القصّة على الاهتمام بالنخلة؛ لأنّها رمز من رموز الوطن. وفكرة الهويّة الوطنيّة تكرّرت كثيرًا في قصص سند، ولكن بوجوه متعدّدة كلُّها تصبّ في فكرة أهمّية الحفاظ على الوطن، وموارده، وكلِّ ما يشكّل ثقافته، من ذلك قصّةُ (الصغير والبحر)[12] التي جاءت وفق بنية تقليديّة في السرد، وتجلّت فيها النزعة الإرشاديّة والنصيحة بوضوح؛ لتوجّه الطفل إلى أهمّيّة الحفاظ على البيئة، والبحر، وعدم رمي الملوّثات فيه بما يؤثّر على الطبيعة، ويًخِلُّ بتوزِانِها.

      وكذا قصّة (الوصايا الثلاث)[13] التي أجاب فيها الطائر البريّ بأسلوب بسيط يناسب الأطفال عن سؤال معقّد، وهو: ما السعادة؟ إنّه السؤال الذي حيّر الدجاجات الثلاث، وكانت نصيحة الطائر لها أنّ السعادة تتجسّد في حبّ الوطن، والنهوض لخدمته ورفعته بالعمل والاجتهاد، وترك الأثر النافع.

     وقد ينزع الكاتب إلى تأكيد الهويّة الوطنيّة عن طريق توظيف الحكاية الشعبيّة في أدبه، على غرار قصّة (نسّاي)[14]. وتتجلّى سمات الحكاية الشعبيّة فيها بوضوح من خلال البناء الفنّيّ التي تتميّز به الحكاية الشعبيّة حيث خطّيّة السرد، والبعد عن التفاصيل بذكر الأحداث المهمّة فقط، والجنوح إلى الفانتازيا، والعدول إلى البنية التكراريّة، “والبساطة في التعبير، والإيجاز في المعنى (…) تتلاحق فيها الأحداث، ويتعقّد فيها الصراع حتّى النهاية”[15]. وقد أكّدت الحكاية الموروث الشعبيّ وصلته بالهويّة الوطنيّة عن طريق احتفائها بالمفردات الموروثة، مثل (العشرج، وخيشة)، فضلاً عن الأماكن، والمشاهد الوصفيّة، والكلمات البسيطة المنتزعة من المحكيّ اليوميّ؛ ممّا يقرّبها إلى مخيّلة الطفل.

     ومن القصص التي تبرز فيها النزعة الوطنيّة بوضوح قصّة (حكاية وادي السعادة)[16] التي دعا فيها الكاتب بأسلوب سرديّ ممتع إلى تأكيد الحكمة القائلة (إنّ الفَطِنَ لا يلدغ من جحر مرّتين)؛ إذ لخّص للأطفال من خلال سرد حكاية جزيرة الأرانب التي نهبها القطّ بمكره، واستغلاله طيبةَ الأرانب، فكرةً عميقة فحواها عدم الاطمئنان إلى العدوّ، وعدم الثقة به مهما أبدى صداقته ولُطْفَهُ، والحثّ على ضرورة العمل على دحره عن الوطن، والنهوض للمشاركة في بناء الأرض، والمحافظة عليها من أيدي الأعداء.

     وإضافة إلى ما سبق من قيم وأفكار نحا الكاتب سند إلى تعميق وعي الطفل عن طريق طرح بعض القضايا الإشكاليّة، والأفكار المجرّدة بأمثلة تجسيديّة تتناسب وتفكير الطفل. ومن ذلك تبسيط فكرة “اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضيّة” في قصّة (السيّدتان والطائر)[17] التي تسرد حكاية (لوزة وموزة) اللتين تسكنان في الحيّ نفسه، وتشربان من الماء نفسه، وتأكلان من الأطباق نفسها، وتمتلكان الملامح نفسها، إلا أنّهما على خلاف ونزاع دائم، إلى أن زارهما يومًا طائر الهدهد الوقور، وعلّمهما درسًا عمليًّا من خلال إعطاء ريشة متشابهة لكلٍّ واحدة منهما، ثمّ سَأَلَهُما: أيُّ الريشتين أجمل؟ وبسبب انحياز كلّ واحدة إلى رأيها أوضحت كلٌّ منهما أنّ ريشتها هي الأجمل، وعندها بيّن الهدهد أنّ الريشتين متشابهتان تمامًا، ولعلّ الخلاف بينهما منبعه من أنّ كلّ واحدة ترى أنّ ما تملك من أشياء وأفكار هو الأجمل، وعندها تعلّمت موزة ولوزة الدرس بأنّ امتلاك الشيء لا يعني أنّك ترفض ما لا تملكه، وأنّ الاختلاف سبيل للتكامل، وليس للتفاضل، وأنّ لكلّ واحد خصوصيّته التي تسمح له بأن يؤدّي دورًا في الحياة قد لا يحسنه الآخر، ولكن باجتماعهما وتعاونهما في تأديتها تجتمع جملة الأدوار التي تقتضيها الحياة وإلا كانت مهيضة الجناح. كما ترسّخ هذه القصة مفاهيم مهمّة في الحياة وهي الصداقة والتسامح.

     إنّ هذه النماذج القصصيّة وما تحيل إليه من قيم، وما تؤكّده من وظائفَ تتعاطى مجالات الحياة في صورها المتعدّدة قادرةٌ على خلق شخصيّة ذات هويّة تعبّر عن ذاتها ومجتمعها ووطنها وتاريخها، وأيضًا قادرةٌ على تهيئة شخصيّة الطفل لتفهم ذاتَها ومحيطَها، ومقوّماتِ صلاحِها وفاعِلِيَّتِها، وأيضًا لتفهم الآخر المختلف، وتقبل اختلافه، وكلّ ذلك يمثِّلُ أبرز مفاهيم الهويّة، التي تشكِّل بداية الوعي وبداية المعرفة، وبها يُمْكِنُ توليد رؤية تأليفيّة عميقة تكشف عن العلاقة الجدليّة بين مكوّنات شخصيّة الطفل وإمكانات الواقع وما به من تحوّلات وإشكالات، وهكذا نفهم لماذا عدّ هنري جينكينز أدب الأطفال عنصرًا جوهريًّا في تأسيس (ثقافة التقارب) “إذ إنّه يعرّف القرّاء على عادات وقيم وأنظمة المجتمعات التي ينشؤون فيها. ولكن يمكن أن يكون أدب الأطفال كذلك أدب الجدال؛ حيث إنّه يقدّم رؤًى بديلة، ويوفّر نوعيّة المعلومات والمناهج التي من شأنها أن تثيرَ طرائقَ تفكيرٍ جديدة فيما يتعلّق بالعالم، وكيف يمكن تشكيله بطرائق جديدة مختلفة، ربّما تكون أفضل”[18].

ثالثًا- توجّهات المستقبل:

     إنّ قصص الأطفال تلعب دورًا هامًّا في ترجمة الكثير من المواقف إزاء الذات والمجتمع، والتربية، والثقافة التي تجمع حصيلة الماضي وتنفتح على الراهن والآتي؛ إذ “تُعَدُّ مصادرَ رئيسيّةً للصور والمفردات والسلوكيّات والتركيبات والتفسيرات التي نحتاج إليها لكي نتأمّل التجربة؛ وذلك لأنّه عندما توجّه القصص للأطفال، فغالبًا ما يكون لها ارتباط وثيق بنوعٍ أو بآخَرَ من أنواع التعليم، وبإمكانها أن تكون ناقلاً مهمًّا للمعلومات المتعلّقة بالتغييرات الثقافيّة في الماضي والحاضر”[19]. وممّا لا شكّ فيه أنّ المجتمعات تتّخذ أدب الطفل وسيلة لنشر أفكار عن الدين والحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، وغرس الأخلاق السويّة والإيجابيّة، وتعديل السلوك، كما أنّها تسعى إلى حثّ الأطفال على تقييم قضايا ومسؤوليّات ومهمّات معيّنة رغبة في غرس الوعي الأخلاقيّ فيه، و”حرصًا منها على نموّه السويّ، ووفقًا لما تريده من هذا الطفل مستقبلاً وهو أن يكون عضوًا نافعًا يتمثّل المعايير والقيم، ويتبنّى التوجيهات والإيديولوجيّات، ويعزّز وحدة المجتمع الثقافيّة، ويشارك في اتّساق تامّ من خلال قيامه بالأدوار المختلفة التي تأهَّلَ لها”[20] في سبيل تحدّي الوضع الراهن، والعمل على إعادة إنتاجه؛ لإحداث تغييرات إيجابيّة وفق الغايات المأمولة والرؤى المستقبليّة.

     ويمكن التمثيل على هذه الرؤى بالقصص التي نزع فيها الكاتب سند إلى حثّ الطفل على العلم، وتحصيل المعرفة، على غرار قصّة (البحث عن الغضنفر)[21]، إذ جاءت أحداث القصّة لِتًدِلَّ الطفل على خطوات هامّة عليه أن يسلكها لتأسيس المعرفة، ومنها الفعل القرائيّ الذي كانت تجسّده الضفدعة وهي تقرأ ديوان الشاعر، وأهمّيّة فهم المقروء فهمًا يستفزّ الذهن إلى اتّخاذ خطوة هامّة تتمثّل في السؤال الذي لا يُمْكِنُ أن يتنازل عنه طالب المعرفة، وينبغي أن يكون موجِّها لأهل التخصّص، لذا عندما أرادت الضفدعة أن تعرف معنى كلمة (الغضنفر) التي قرأتها في ديوان الشاعر سألت الحمار لأنّه يقول الشعر، ثمّ سألت الببغاء لأنّها “أفضل من يتحدّث اللغة”، فلمّا لم تجد عندهما الجواب؛ عزمت على الارتحال إلى الشاعر صاحب الديوان والمصدر الأساسيّ للمعلومة الصحيحة، وهو قرار صائب؛ فالعلم يؤتى إليه ولا يأتي، ورحلة البحث في سبيل معرفة معنى الكلمة تشير بشكل واضح إلى أهمّيّة الحثّ على طلب العلم، والسعي إليه. وهو ما يؤكّد أنّ سؤال المعرفة لا ينشأ عنه جواب جاهز ولكن لا بدّ من إنجازه بالاجتهاد، وهو ما دعا الحاكم الذي عجز عن معرفة كلمة الغضنفر إلى مكافأة الضفدعة تقديرًا لها، وتأصيلاً لمبدأ نبيل يتعيّن في الحكمة القائلة “لكلّ مجتهد نصيب”. وقد احتفى الكاتب في هذه القصّة بسرد مشاهد تكشف للطفل أهمّيّة بذل العلم، وعدم كتمه، لما في ذلك من نفع يعود على النفس والمجتمع.

     وثمّة قصص اهتمّ سند فيها بإطلاع الطفل على ما في المجتمع الذي يعيش فيه من مشاكل وتحدّيات؛ بما يوسّع الجانب التثقيفيّ عند الطفل، ويجعله شريكًا أساسيًّا في بناء المجتمع، والمساهمة فيه برأيه، وأفعاله. ويمكن الاستشهاد على ذلك بقصّة (هل يمكن ذلك؟)[22]، التي تطرح مسائلَ بالغة الأثر في تغيير الواقع إلى ما هو أفضل من الراهن، وذلك ببثّ رسائل تحثّ على أهمّيّة العدالة والمساواة، والسلام، والتكافل والتضامن الاجتماعيّ، ونشر المحبّة والأخوّة وروح التعاون، والمحافظة على البيئة وجميع مكوّناتها. كلّ ذلك جاء عبر أسئلة إبداعيّة تطرح قضايا جدليّة بأسلوب مبسّط يختلط فيه العالم العجائبيّ بالواقعيّ، كأن يطير فيلٌ ليوزّع الخبز، وينشر التكافل الاجتماعيّ، ويغنّي حمار أغنية السلام، ناشرًا الأمن والأمان والسلام، وتوعيه الناس بأهمّيّة الحفاظ على البيئة من التلوّث، وتحيا الغربان متعاونة تشيع روح المحبّة وتنبذ سرقة الفقراء، ويتخلّى الطاووس عن تكبّره، ويتواضع ويعترف بغيره ويقبل اختلافهم عنه.

     وإلى جانب ذلك اهتمّت القصّة بطرح قضايا إنسانيّة عميقة بأسلوب بسيط يثير في نفس الطفل معانيَ مشحونة بالإيجابيّة إزاء طبقة العمّال عن طريق إثارة سؤال استنكاريّ حول عقلانيّة تسريحهم، وقطع رزقهم، في حين ينعم الأغنياء بالراحة والسعادة. ونبّهت القصّة أيضًا على معلومات كانت بمثابة احتجاج على كلّ ما من شأنه أن يدمّر مفاهيم الشراكة والتضامن والعدالة والمساواة، كما تحدّثت عن التلوّث ونتائجه التدميريّة على البيئة، وكانت النهاية بتدخّل طائري النورس ليطرحا سؤالاً حول أهمّية إشاعة المحبّة والسلام، والبعد عن العوامل التي تؤدّي إلى نتائج كارثيّة على كلٍّ من الإنسان والحيوان والطبيعة.

     وبالرغم ممّا جاء في القصّة من قضايا معقّدة يصعب على الطفل استيعابها، ورصد خفاياها ودقائقها؛ فإنّ الكاتب حاول إثارتها بالأسئلة لتبقى عالقة في  ذهن الطفل، وتدفعه إلى البحث عن إجابة تناسب مستوى تفكيره وخبرته بالحياة.

     ولأنّ الأطفال ترجمة لتطلّعات المستقبل، ولأنّ من حقّهم رسم ملامح مستقبلهم بما يتواءم مع خصوصيّتهم والإمكانات المتاحة، وبما يسمح لهم واقعهم من أدوار؛ اعتنت قصّة (كائنات حيّة)[23] بنقد الواقع الاجتماعيّ الذي يرى فيه الكبار أنّ الأطفال كائنات لا تملك التفكير، ولا تحسن اتّخاذ القرار؛ لذا فقد فوّضوا أنفسهم بأنفسهم ليتكلّموا عنهم، ويفكّروا بدلاً منهم. ومن أجل ذلك جلست عائلةٌ تتجاذب الحديث بعد وجبة العشاء، حول ما يحلمون به من مستقبل ووظائف لأبنائهم، فتمنّت الأمّ وظيفة طبيب لابنها، وتمنّت العمّة لابنها وظيفة مهندس، والجدة تمنّت لحفيدها وظيفة ضابط مرور، أمّا الخال فتمنّى أن تكون ابنته قبطان طائرة، وكان الطفل وهو الراوي الشخصيّة يسمعهم فعبّر بمونولوج عن اعتراضه، لأنّ الكبار دائمًا ما يفكّرون عن فئة الأطفال، ويرسمون لهم مستقبلهم، وكذلك الشأن بالنسبة إلى مؤسّسات الدولة التي تتكلّم عن حاجة سوق العمل، وتخطّط لكلّ شيء من دون النظر إلى رغبات الأطفال، في حين تكتظ المؤسّسات بكبار السنّ والعمّال الذين يستحوذون على الوظائف ليبقى جيل الشباب عاطلاً. وهنا يبيّن الراوي شعوره بالأسى لعدم اعتراف جيل الكبار بكينونتهم، وأحقّيتهم في رسم مستقبلهم.

     لقد انبنت هذه القصّة في مجملها على الحوار، وعدلت بشكل واضح عن البناء القصصيّ الذي قوامه السرد؛ ذلك أنّ الكاتب أراد بالحوار أن يكشف مدى سلطة الكبار على الأطفال؛ فهم من يمتلكون سلطة الأقوال، وهم من يعبّرون عن مشاعر الأطفال وطموحاتهم؛ ولذا كان صوت الطفل في القصّة مقموعًا، فلم يقدر على التحدّث ليبدي اعتراضه، وانكفأ على نفسه بكلام داخليّ يهمس فيه إلى نفسه، ويبوح لها باحتجاجاته المكبوتة التي لم يسمعها الكبار؛ إذ يقول: “كنت أستمع لأحاديثهم وأمنياتهم الجميلة من دون أن أستطيع التعبير عمّا يجول في خاطري، فنحن الشباب لا أحد مثلُنا؛ الكلّ يتكلّم بالنّيابة عنّا الأسرة والحكومة ووزارتا التربية والعمل (…) الكبار يفكّرون عنّا ماذا سنصبح عندما نكبر، ونحن نفكّر في أشياء كثيرة لكنّها مختلفة، هل ستسمحون لنا بأن نحلّق بأفكارنا عاليًا فوق السحاب أم نبقى مجرّد حجارة مرميّة على الأرصفة؟”[24].

     وإذا ما تحوّلنا إلى قصّة (أجمل مدينة)[25] وجدنا أنّ فكرة المعرفة مقترنة بمبدأ يحمل الطفل على شحذ قدراته باستثمار مبدأ الاكتشاف؛ فمنذ السطور الأولى تشجّع القصّة على سلوك هذا المبدأ لتحقيق الفوز والانتصار. فكيف تجسّد ذلك؟

     تنبني “أجمل مدينة” على قصّة إطار تعلن بدايتها عن نهاية قصّة سابقة، إذ يخبرنا الراوي الشخصيّة الحائز على الجائزة الكبرى أنّه فاز في مسابقة “اكتشف العالم من حولك” التي تقيمها سنويًّا مدرسته “المستقبل”. ولا يخفى ما في عنوان المسابقة، واسم المدرسة من علاقة وظيفيّة تدعو إلى ما ينبغي أن ترتكز عليه مدرسة المستقبل من موجّهات وضوابط تهتم بالاكتشاف لبناء المعرفة والإنتاج الناجع.

     لقد كانت الجائزة تذكرة سفر مجّانيّة لمدينة في العالم يختارها الفائز من بين أربع مدن، وكلّ واحدة منها تحمل شعارًا ولونًا يميّزانها من بقيّة المدن، ويمكن للفائز أن يغيّر المدينة التي انتقل إليها خلال 24 ساعة، فإنْ لم تعجبه تلك المدن الأربع عليه أن يختار مدينة خامسة بنفسه.

     وفي المدينة الخامسة “مدينة الأفكار” تلتحم بداية القصّة التي انطلقت من مسابقة “اكتشف العالم من حولك” بنهايتها؛ حيث يُكرّم ثلاثةُ متسابقينَ جاؤوا بمشروعات هامّة، وهي: “بيوت خضر صديقة للبيئة”، و”المدارس الذكيّة”، و”السيّارة الطائرة”. إنّها عناوين لمشاريع ترسم خريطة المستقبل، وتنسجم مع تطلّعاته ومراميه، وتسمح بالسيطرة على الراهن والقادم سيطرة إيجابيّة مجدية. وهذا ما جعل الراوي الشخصيّة يتعلّق بهذه المدينة ويختارها دليلاً على انتصاره؛ كونها تعترف به إنسانًا يَحْمِلُ الوعيَ والفعلَ الذي يَقْدِرُ من خلالهما على تحرير ما لديه من إمكانات وقدرات وتصوّرات، ويلبّي حاجاته ومآربه.

     والحقّ أنّ الكاتب أكّد هذه الأفكار بصورة عمليّة تطبيقيّة في قصّة (الوقت المناسب)[26] التي جاءت في بنائها على منوال قصّة (أجمل مدينة)؛ إذ تقوم على تقنيّة قصّة إطار داخلها قصّة مضمّنة، والقصّتان ذات بناء فنّي متميّز، وبنية سرديّة مكتملة الأركان، بطلهما واحد هو الفتى، الذي هو الراوي الشخصيّّة. تقوم القصّة على بنية سببيّة محكمة، فكلّ حدث مرتبط بغيره، ويدلّ عليه، وينتج عنه، ما يجعل الأحداث ذات ترابط قويّ أسفرت عن حبكة رصينة.

     وفيها الكثير من العبر والدروس توعز إلى الطفل بأهمّية العمل والنشاط، والمحاولة، والبذل والعطاء، والتغلّب على الصعاب، وحبّ الاستكشاف، وعدم الاستسلام، وتحدّي العوائق والحواجز، وانتهاز الفرص واستثمارها فيما يعود بالنفع، وأهمّيّة الاسترشاد وقبول النصيحة، ومحاسبة النفس، والعمل على إصلاحها. فهي قصّة تعلّم الطفل أنّ الإصرار على النجاح أولى خطوات الانتصار والفوز، وأنّ مواجهة التحدّيات تقوّي الإرادة، وتبسط الحلول، وأنّ العمل مع الفريق سبب من أسباب تضافر الجهود، وإتقان العمل، وإشاعة التعاون والمحبّة.

 الخاتمة:

     وهكذا يتبيّن لنا أنّ قصص الكاتب إبراهيم سند، موضع النظر، موطنٌ للكثير من القيم والمضامين التي تغذّي الوعي الأخلاقيّ عند الطفل، وتؤسّس هويّته، وتبني شخصيّته، وتعينه على القيام بوظائفه المأمولة في المجتمع، وقد نجح الكاتب في طرح بعض الأفكار والقضايا من منظور إشكاليّ أثار بواسطته أسئلة جديدة قادرة على التعبير عن بعض شواغل الراهن وتحدّيات الآتي، وهذا كفيل بنقل الطفل من وضع التحصيل والمحاكاة إلى وضع النقد والخلق والابتكار. وجاء كلّ ذلك في الغالب بأسلوب سرديّ يحقّق الوظيفة الجماليّة بما يصون الفكرة من الرتابة والابتذال، ويغذّي القوى الخياليّة والإبداعيّة عند الطفل، ويضمن انجذابه إلى المقروء، ويحفّزه على التفكير بوجوه متعدّدة، وينمّي قدرات التحليل والنقد لديه لاستشفاف المغزى، ويغريه بترجمة ما استفاده في حياته؛ ليتعاطى متطلّباتِ العصر وما يمور به من إشكالات بشكل مثمر وفاعل.

     وما يجدر الالتفات إليه هنا هو أهمّيّة تجديد الوسائل والصيغ التي يُقدَّم بها الكاتب إبراهيم سند أدب الطفل بحسب متطلّبات العصر؛ لتجاوز السائد من الوسائل التقليديّة المنحصرة في الكتاب الورقيّ والقصص المصوَّرة؛ إذ إنّ ممّا يدخل في شروط الكتابة للأطفال، ويحدّد معاييرها ضرورةَ الوعي بدور وسائط المعرفة الجديدة في التأثير البالغ على أطفال اليوم، وتحفيزِهم على القراءة والتفاعل، لا سيّما أنّها تتماشى مع سرعة وتيرة عصرهم وميولهم واتّجاهاتهم، ومن هذه الوسائط: القنوات التليفزيونيّة الفضائيّة، وألعاب الكمبيوتر، وشبكة الإنترنت، والوسائط الرقميّة لكتابة قصص باستعمال تقنيّة النصّ التشعّبيّ، وغيرها من الوسائط التقنيّة التي تعمل على زيادة النشاط التفاعليّ.

     ومن المعروف أنّ أغلب وسائط اليوم شبكاتٌ مفتوحة يَضْمَرُ فيها التوجيه، وقد يحصل من خلالها الأطفال على مواضيع وأفكار تناقض ما يحرص على تقديمه الكبار، وهو ما يلزم الكتّاب بالتخطيط العلميّ الواعي لتثقيف الأطفال، وتحفيزهم على التفكير باستقلاليّة، وتدريبهم على التحليل والنقد والتقويم على أساس معرفيّ مستنير لتمييز الفكر الصائب والسلوك القويم.

     ولعلّ التطلّع إلى أن يستغل الكاتب مثل هذه الوسائط العصريّة في نشر قصصه من شأنه أن يخلِقَ تجربة جماليّة فريدة في حدّ ذاتها، ويوسّعَ القاعدة الجماهريّة من الصغار؛ فتتعدّد مستويات قصصه، ويتفجّر الكامن من طاقاتها، وتتكثّف دلالاتها، وتتحوّل وظيفتها من الإبلاغ والتلقين إلى الإبداع والتفاعل؛ لتنفتح على فضاء جديد للتلقّي يستوعب مستويين جماليّين متلازمين، ومستويين دلاليّين متلازمين لا يلغي أحدُهما الآخر؛ بغية تمثّلِ ترسيخ مفاهيم الهويّة التي يشتغل عليها، والتجاوبِ مع تحوّلات الواقع وأسئلته المتوالدة والمتجدّدة وما تفتحه من آفاق؛ وفي تأكيد ذلك يقول كيمبرلي رينولدز: “إنّ إجراء هذه المعالجات الحديثة على أقدم أشكال الأدب يُعَدُّ تذكرة بأنّه من خلال القصص سوف يتعرّف الأطفال في الوقت نفسه على التراث الأدبيّ ويتعلّمون المهارات التي تجعلهم مثقّفين بمقاييس عصرهم”[27]. ولا يخفى ما في هذا الرأي من دعوة إلى تأسيس هويّة الطفل، وتنمية جوانب شخصيّته للتفاعل مع  المجتمع في مجالاته وتحدّياته المختلفة تفاعلاً يستجيب لمطالب الحاضر، ورؤى المستقبل، وفي ذلك علاماتٌ تؤشّر، من جهة أولى، إلى درجات وعي مختلفة بالأبعاد الفكريّة والجماليّة المطلوب توافُرُها في أدب الأطفال؛ ليتعاطى خصوصيّاتِ الكتابة المناسبة لأطفال اليوم من حيثُ الشروطُ والأدواتُ والمقاصدُ. وتفتحُ، من جهة ثانية، أفقًا نقديًّا للمساءلة بغرض التعديل والتوظيف من أجل صناعة خطاب ثقافيّ مأمول للطفل العربيّ.


– المراجع:

– إبراهيم سند:

* أجمل مدينة، إصدارات دائرة الثقافة، الشارقة، ط1، 2017.

* وطن النخلة، مجموعة قصصيّة ، اللجنة الثقافيّة بنادي الحالة، البحرين، د.ط، د.ت.

* ما الذي يجعل سامي يجري؟ مجموعة قصصيّة، اللجنة الثقافيّة بنادي الحالة، طبع بالمطبعة الحكوميّة لوزارة الإعلام، البحرين، د.ط، 1988.

* البطّيخة القويّة، مجموعة قصصيّة، ط1، 2002.

* أشعل مصباحك، مجموعة قصصيّة، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، ط1، 2015.

* إنّه الوقت المناسب، إصدارات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، ط1، 2011.

– التلي بن الشيخ: منطلقات التفكير في الأدب الشعبيّ الجزائريّ، المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة، الجزائر، د.ط، 1990.

– سيث ليرر: أدب الأطفال من إيسوب إلى هاري بوتر، ترجمة: ملكة أبيض، منشورات الهيئة العامّة السوريّة للكتاب، دمشق، ط1، 2010.

– كمال الدين حسين: مقدّمة في أدب الطفل، مطبعة العمرانيّة للأوفست، الجيزة، ط1، 2002.

– كيمبرلي رينولدز: أدب الأطفال مقدّمة قصيرة جدًّا، ترجمة: ياسر حسن، مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ط1، 2014.


[1] إبراهيم سند: من أنا، د.ط، 2013.

[2] إبراهيم سند: رحلة قطرة، مجموعة قصصيّة (أشعل مصباحك) مرجع سابق، ص127-130.

[3] إبراهيم سند: الحشرات الموسيقيّة، مجموعة قصصيّة (أشعل مصباحك)، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، ط1، 2015، ص116-118.

[4] المرجع السابق، ص117.

[5] إبراهيم سند: البطّيخة القويّة، مجموعة قصصيّة (البطّيخة القويّة وقصص أخرى)، ط1، 2002، ص6-13.

[6]  كيمبرلي رينولدز: أدب الأطفال مقدّمة قصيرة جدًّا، ترجمة: ياسر حسن، مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ط1، 2014، ص36.

[7]  سيث ليرر: أدب الأطفال من إيسوب إلى هاري بوتر، ترجمة: ملكة أبيض، منشورات الهيئة العامّة السوريّة للكتاب، دمشق، ط1، 2010، ص20.

[8] إبراهيم سند: عصيدة الفواكه، مجموعة قصصيّة (أشعل مصباحك)، مرجع سابق، ص124-126.

[9] إبراهيم سند: الحمار الأنيق، مجموعة قصصيّة (وطن النخلة)، اللجنة الثقافيّة بنادي الحالة، البحرين، د.ط، د.ت، ص5-10.

[10] إبراهيم سند: الأسد والحطّاب، مجموعة قصصيّة (وطن النخلة)، اللجنة الثقافيّة بنادي الحالة، البحرين، د.ط، د.ت، ص20-22.

[11] إبراهيم سند: وطن النخلة، مجموعة قصصيّة (وطن النخلة)، اللجنة الثقافيّة بنادي الحالة، البحرين، د.ط، د.ت، ص1-5.

[12] إبراهيم سند: الصغير والبحر، مجموعة قصصيّة (ما الذي يجعل سامي يجري؟)، من إصدار اللجان العاملة بنادي الحالة، طبع بالمطبعة الحكوميّة لوزارة الإعلام، البحرين، د.ط، 1988، ص73-78.

[13] إبراهيم سند: الوصايا الثلاث، مجموعة قصصيّة (وطن النخلة)، اللجنة الثقافيّة بنادي الحالة، البحرين، د.ط، د.ت، ص11-14.

[14] إبراهيم سند: نسّاي، مجموعة قصصيّة (وطن النخلة)، اللجنة الثقافيّة بنادي الحالة، البحرين، د.ط، د.ت، ص11-14.

[15] التلي بن الشيخ: منطلقات التفكير في الأدب الشعبيّ الجزائريّ، المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة، الجزائر، د.ط، 1990، ص107.

[16] إبراهيم سند: حكاية وادي السعادة، مجموعة قصصيّة (وطن النخلة)، اللجنة الثقافيّة بنادي الحالة، البحرين، د.ط، د.ت، ص25-32.

[17] إبراهيم سند: السيّدتان والطائر، مجموعة قصصيّة (أشعل مصباحك) مرجع سابق، ص139-141.

[18]  كيمبرلي رينولدز: أدب الأطفال مقدّمة قصيرة جدًّا، ترجمة: ياسر حسن، مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ط1، 2014، ص105.

[19]  كيمبرلي رينولدز: أدب الأطفال مقدّمة قصيرة جدًّا، ترجمة: ياسر حسن، مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ط1، 2014، ص14.

[20]  كمال الدين حسين: مقدّمة في أدب الطفل، مطبعة العمرانيّة للأوفست، الجيزة، ط1، 2002، ص119.

[21] إبراهيم سند: البحث عن الغضنفر، مجموعة قصصيّة (ما الذي يجعل سامي يجري؟)، مرجع سابق، ص43-48.

[22] إبراهيم سند: هل يمكن ذلك؟، مجموعة قصصيّة (أشعل مصباحك)، مرجع سابق، ص154-155.

[23] إبراهيم سند: كائنات حيّة، مجموعة قصصيّة (أشعل مصباحك)، مرجع سابق، ص156-158.

[24] إبراهيم سند: كائنات حيّة، مجموعة قصصيّة (أشعل مصباحك)، مرجع سابق، ص157-158.

[25] إبراهيم سند: أجمل مدينة، إصدارات دائرة الثقافة، الشارقة، ط1، 2017.

[26] إبراهيم سند: إنّه الوقت المناسب، إصدارات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، ط1، 2011.

[27]  كيمبرلي رينولدز: أدب الأطفال مقدّمة قصيرة جدًّا، ترجمة: ياسر حسن، مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ط1، 2014، ص72.

 2,003 total views,  11 views today

Hits: 85