السيد قصي الخباز


 

كثيرة هي أحداث التاريخ الإسلامي، وكثيرة أيضا قصص السرد بين الرواة والتكرار لتصوير الحوادث كما هي، ولا حرج فيها على الكاتب التاريخي لأن هذه هي وظيفته، غير أن الأحداث تزداد مطالعتها جمالا وروعة إذا أضفنا شيئا من التحليل لهذه النص تارة ولهذا طورا أخر.

بعد هذه المقدمة سوف استعرض لكم حادثة الهجرة إلى الحبشة بشكل مختصر كما نقلها أعلام التاريخ والسير ويمكنك الرجوع لها مفصلة في كتب السير والتاريخ.

” فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، لمكانته من الله ومن عمه أبو طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام”[1]

بهذه الصورة تناقلتها كتب التاريخ والسير كالبداية والنهاية والاستيعاب وتاريخ اليعقوبي وتاريخ الطبري والكامل في التاريخ وغيرهم…

فهي تصور لنا هجرة المستضعفين الذين يخشون على أنفسهم ودينهم ويطلبون اللجوء، هذا هو الانطباع البدوي، غير أن تسليط الضوء على مجموعة من النقاط يكشف لنا ما هو أبعد من هذا التصور البسيط وسوف أضع أصبعك عليه أيها القارئ لتلمس هذه الأبعاد بوجدانك السليم، فهلم معي نستنطق النصوص ونرى ما وراء الأسطر عبر التحليل.

 

أولا: الشخصيات التي هاجرت

لابد لهذه الهجرة من معنى أسمى من السلامة بالفرار وغرض يشتق نبله من نبل الدعوة الإسلامية بحيث تكون مقصدا لشخصيات كبيرة من الصحابة، لقد ذكر المؤرخين أن المهاجرين كانوا ثمانين رجلا سوى نسائهم[2]

يهمنا أن نذكر بعض الأسماء من بينهم:

  1. عثمان بن عفان
  2. الزبير بن العوام
  3. مصعب بن عمير
  4. عبد الرحمن بن عوف
  5. أبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة
  6. عثمان بن مظعون
  7. عبد الله بن مسعود
  8. جعفر بن أبي طالب
  9. المقداد بن الأسود
  10. مالك بن ربيعة

وأنت تتصفح هذه الأسماء قد يجول في خاطرك أن تسأل هل كانت الهجرة حقا للمستضعفين؟ وهل كان مثل جعفر الذي كانت قبيلته أعز وأمنع القبائل في قريش وهو الهاشمي وبن سيد البطحاء مستضعفا؟

لابد من وجود غرض أو أغراض آخر…

لابد أن تكون هناك أهداف بسعة أهداف الرسالة المحمدية، ما أحسبه أن شخص الرسول الأكرم(ص) الذي يمثل حكمة السماء لم يكن يترك أهداف كالتبليغ ونشر رسالة التوحيد ونقل مكارم الأخلاق والتعارف ونقل الحضارة والبناء الداخلي وفوائد عدة لهذه الهجرة دون أن يوصي باستثمارها…

ولكن من يكون أمينا على هذه الأهداف؟ ومن يمثل هذه الأخلاق؟

وجود هذه الاسماء بين المهاجرين كشف لنا سرا من أسرار الهجرة أعني تعدد الأغراض ابتداء وتخطيطا، لا مصادفة.

 

ثانيا: القيادة أو السفارة

لقد عرفت أن المهاجرين بلغوا نحو ثمانون رجلا، وهذ يجعلهم عرضه لكثرة السؤال عن سبب هجرتهم؟ وما هي أهدافهم؟ ومن هو الذي اقترح عليهم؟ وما هو دينهم؟ ولما ذا يعارض أعدائهم هذا الدين؟ وكيف ينظرون للأديان الأخرى؟ والكثير من التساؤلات سوأ كانت من الأفراد أم من المؤسسات الدينة، أو من المؤسسات العسكرية، ولا أخال أنهم جميعا مخولون بالحديث والإجابة بحيث أن إجاباتهم قد تتفاوت أو قد يستعصي على بعضهم الردود المقنعة، كما لا أحسب أن قيادة الرسول الأكرم (ص) تترك مجالا لحدوث مثل ذلك الهرج والاختلال مع ما عرفت سابقا من وجود أغراض متعددة تسعى هذه الهجرة لتحقيقها ولذا تحتاج هذه العملية الى نظم وتدبير، وعليه لا بد من اقتراح شخصا يكون ممثلا لأهداف الرسالة!

ولكن أنى ذلك والدين في بداية عهده؟

لم أقراء في نصوص المؤرخين لهذه الحادثة أن النبي (ص) نص على شخصا يكون سائسا لأمور هذه الهجرة ولعل التاريخ أغفل ذلك، ولكن النظر في مفاتيح الهجرة وخواتيمها وما بينهما من حوادث لا ينقل لنا سوى عرض شخصية واحدة ولنترك الكلام لأم المؤمنين أم سلمة لتنقل لنا حادثة الحبشة علها تمكننا من استنتاج الشخصية المفترضة:

“عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لها:

ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا له هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا، فقد ما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار عند خير جار. فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته، وقالا له: إنه قد ضوي إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهم: نعم. ثم إنهما قربا هدايا النجاشي، فقبلها منهم، ثم كلماه، فقالا له: أيها الملك إنه ضوي إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليه، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله، وعمرو من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله صدقوا أيها الملك. فأسلمهم إليهما. فغضب النجاشي، ثم قال: لا ها الله إذا لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد قوما جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم. ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله فدعاهم، فلما جاءهم رسوله، اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كائنا في ذلك ما كان. فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟

قالت: وكان الذي يكلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، إنا كنا قوما أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا (2) على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد له أمور الاسلام – فصدقناه وآمنا به واتبعناه، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.

قالت: فقال: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قال: نعم؟ قال:

فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من (كهيعص). فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا، فو الله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد.

فلما خرجا قال عمرو: والله لأنبأنه غدا عيبهم ثم أستأصل خضراءهم.

فقال له عبد الله بن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحاما وإن كان قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد.

ثم غدا عليه، فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم، فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل يسألهم.

قالت. ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم، ثم قالوا: نقول والله فيه ما قال الله تعالى كائنا ما كان. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى؟ فقال له جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا. هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عودا، ثم قال: ما عدا عيسى ما قلت هذا العود. فتناخرت بطارقته حوله، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي – والسيوم الآمنون – من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرى ذهبا وأني آذيت رجلا منكم.”[3]

لقد سقت لكم هذه الوثيقة التاريخية على طولها لنرى بوضوح نجم جعفر وهو المتحدث مع الملك النجاشي بما يملك من مؤهلات خطابية وعلمية وقيادية ومعرفة وصدق وغيرها من الخصال التي عرف بها بنو هاشم إلا من شذ، كما يلفت انتباهنا أن باقي الصحابة كانوا مسلّمين له زمام القيادة ولولا ذلك لوجدنا متحدث آخر أو معترض على الكلام، (ويكشف لنا أيضا خشية قريش من وجود جعفر مع المهاجرين إذ كان ممكن أن يسلمهم الملك بشرط ابن العاص وابن ربيعة على أن يردهم دون أن يكلمهم، لقد كانت خطة قريش مسددة ومتقنة لولا أن الشرط أيقظ ضمير النجاشي وفتح ذهنه وكانت خشيتهم في محلها إذ في القوم جعفر وهما يعرفانه ويعرفان ملكاته ومعرفته.

فقد انبرى جعفر يتدفق بيانا فيضع كل صورة من صور الدفاع في مكانها الذي لا يملؤه غيرها.)[4]

جاء في تاريخ اليعقوبي: وكان للمهاجرين عند النجاشي منزلة وكان يرسل الى جعفر ويسأله عما يريد[5]

 

ثالثا: كلمات النبي(ص)

ويؤكد لنا ما خلصنا إله من نتائج كلماته (ص) التي قالها في حق جعفر كما ينقلها الرواة وهي كاشفة عن مقام رفيع وحسن تدبير وامساك بزمام الأمور ومؤهلات عالية.

  1. جاء عن النبي الأكرم أنه قال لجعفر: ” اما أنت يا جعفر فأشبهت خَلقي وخُلقي وأنت من شجرتي التي انا منها”[6]

يا لروعة هذا التعبير وكبره، كيف لا وقد شابهه في الخَلق حيث أنهما ينتميان لنفس الشجرة ومن طينة واحدة، وشابهه في الخُلق حيث الثبات والتصميم وقوة العقيدة وبلاغة البيان وغيرها مما كشفت عنه هذه الحادثة ولو تقصينا باقي الأحداث لظهر لنا الكثير فقد عاش في بيت أبي طالب سيد البطحاء ولامس الزعامة وجدانا لما كان يمارسه أبوه.

كما يكمل هذا الشبه صدق الجهاد والتضحية في سبيل نشر لولاء الإسلام، فلقد عاد جعفر من جهاده في الحبشة سنة سبع وتوجه قائدا إلى مؤته سنة ثمان للهجرة حين استشهد مجاهدا صابر حتى قال عنه رسول الله(ص): على مثل جعفر فلتبك البواكي[7]

  1. قال أجلح بن عبد الله، عن الشعبي قال: لما قدم جعفر من الحبشة تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل جبهته، ثم قال: والله ما أرى بأييهما أفرح، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر[8]

يمكن استلهام الفتح الذي جاء به جعفر من الحديث أعلاه حيث قرن (ص) عودة المهاجرين وكأن جعفر من يمثلهم في -تعبير النبي بعودة جعفر- قرن ذلك الفتح الكبير وهو فتح خيبر فتأمل نبأ هذا الذي أغفله المؤرخين.

والحمد لله رب العالمين،،،


[1]  السيرة النبوية، ابن هشام الحميري، ج1، ص213

[2] السيرة النبوية، ابن كثير، ج ٢، ص٣

[3] سير أعلام النبلاء، ج1، ص431-434

[4] هاشم وأمية في الجاهلية، صدر الدين شرف الدين، ص231 بتصرف

[5] تاريخ اليعقوبي – اليعقوبي – ج ٢ – الصفحة ٢٩

[6] المستدرك، الحاكم النيسابوري – ج ٣ – الصفحة ٢١١

[7]  الاستيعاب – ابن عبد البر – ج ١ – الصفحة ٢٤٣

[8] تاريخ الإسلام – الذهبي – ج ٢ – الصفحة ٤٣٢

 1,395 total views,  2 views today

Hits: 119