د. مريم بنت حميد الغافرية
باحثة وكاتبة في مجال الدراسات الأدبية والنقدية


عبري الواسعة مساحة الشاسعة صحراء، معبر القوافل عبر الأزمة الغابرة يستكثر التجار وأصحاب القوافل المسافة في صحاريها ويقولون: :”الطريق ما عبرت” أي ألم تنتهِ الطريق بعد؟! وتحتل عبري سدس مساحة السلطنة وهي بمثابة الضلع الغربي لموقع الارتكاز في سلطنة عمان، تبعد عن العاصمة مسقط حوالي (300كم) وعبري الظاهرة تتنوع فيها المصادر الطبيعية كما تتنوع أنماط الحياة فتأخذ طوابع للبيئات الثلاث (الريف والحضر والبداوة). وتعد عبري المدينة الرئيسية بمحافظة الظاهرة وأطلق عليها جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه-   اسم المدينة (الواعدة) بل هي القلب النابض للمحافظة، وتتمتع عبري بموقع استراتيجي متميز وصحاريها غنية بالذهب الأسود والغاز الطبيعي المسال، وهي بوابة عمان الغربية لدول الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية، وقد تدفق النفط عام 1967 من أراضيها، فكان الخير والنماء وانطلاق التطور…

وقد وصف الشيخ المؤرخ سليمان الخروصي عبري بأنها: ” أجمل بلدان الظاهرة وأحسنها منظرًا، وأعلاها مقامًا وأفسحها فضاء وأطلقها هواءً. ذات حدائق وبساتين. أرضها أرض الجمال والجبال، مدينة النخيل والإبل، عاصمة بلاد السر في التاريخ القديم، فهي عينها الباصرة وروضتها الغناء ودائرتها الحسناء”.

وفي هذا المقال نضيء عدسة الحديث عن عبري الظاهرة في وثائق تاريخية وجغرافية من سطور كتابات الرحالة الأوروبيين عن عبري الظاهرة؛ فقد حظيت عبري الظاهرة بزيارة العديد من الرحالة في الفترة ما بين النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي والنصف الثاني من القرن العشرين.  كانت هذه الزيارات المتكررة من الرحالة الأوروبيين لعبري إضاءة لعتمات فقدت في سطور الكتابة عن عبري، كما تعد هذه الكتابات وثائق تاريخية وثقافية تضيء جوانب للباحثين في جوانب مختلفة عن عبري الظاهرة.

وهنا سنقف على وثائق من كتبوا عن عبري الظاهرة؛ لتصنيف كتاباتهم وفق النصوص المتوفرة عندنا.

محاولة رسم خريطة عبري:
حاول جيمس ريموند وليستد أثناء زيارته لها عام 1836رسم خريطة لعبري فقد أعجب بطبيعتها وجبالها الشاهقة والممرات التي وصفها بأنها فريدة، وقد أضاء في كتاباته عن عبري وصفًا بعث الحياة في الصور التي رسمها عن المدن والناس الذين رآهم أو قابلهم أثناء رحلته.

وصف المعالم والتراث والعادات والأطعمة والتجارة:
تشكل كتابات الرحالة العقيد صامويل بارت مايلز، المعتمد السياسي البريطاني في مسقط إلى عبري عام 1885 وثيقة متنوعة يتصدر ها رحابة الجغرافيا التي تحدث عنها قائلاً: ” مدينة كبيرة وواحة جميلة تكثر فيها المياه وهي بحق حاضرة الظاهرة…” ومن المعالم التي خصها بالذكر، مسجد عبري الكبير ويقصد به جامع حصن عبري، وهو من أكبر المساجد في عمان قديمًا. وحصن عبري يرجع تاريخ بنائه إلى 400 سنه ماضية وهو يقع في وسط المدينة بالقرب من السوق القديم    ويتميز بالنقوش التاريخية والأثرية ويتكون من عدة صباحات –بوابات –  منها صباح “سنسلة” المواجه لمدخل السوق وصباح “الحصن” الذي هو المدخل الرئيسي وصباح” الوسطى” والمستخدم للبرزة. أما الجامع الكبير الذي تحدث عنه مايلز فقد   كان مخصصا لتأدية صلاة الجمعة وسائر الصلوات الأخرى.

وصف مايلز سوق عبري بأنه من أكبر الأسواق، يرتاده الكثير من الناس ويحوي عددًا كبيرًا من الدكاكين والمحلات من كل صنف والتي تمثل منظرًا حيًّا بالسوق. كما أشار إلى ازدحام السوق وأنه مكتظٌّ بالبدو. ووصف أهل المدينة أنهم يحملون السلاح ويتدافعون بالمناكب، ويساومون ويجادلون الباعة في السوق. وأعطى صورة عن المرأة البائعة في السوق ” وجود العديد من البائعات اللاتي يجلسن في صفوف على الأرض وأمامهن قفف تحتوي على أصناف من الفاكهة والأكلات المحلية” وأرجح أن مايلز كان يقصد بالفاكهة ” التمور المختلفة التي عرفت بها عبري”؛ لأنه تحدث عن النخيل وأبدى إعجابه برطبها اللذيذ وهذا يعني أنه رأى تنوع الرطب شكلاً ولونًا وحجمًا ومذاقًا… ومن باب الأمانة العلمية أختلف مع الرحالة في ذكره لجزئية وجود فواكه في عبري مثل المشمش والخوخ واللوز وأتفق معه في الأصناف الأخرى التي ذكرها.


كرم الضيافة وحفاة الاستقبال للآخرين:
وصل السير بِرسي كُوكس   إلى عبري في الثالث عشر من مايو 1905م ، وقد وصف حفاوة الاستقبال الذي حظي به من قبل أهالي عبري، و الترحاب الذي قوبل به من الأهالي بأنه حسن. ونقل إلينا الصورة المشرفة عن هذا الاستقبال في وصفه، فقد تجمع الأهالي خارج المدينة بخيولهم؛ لاستقباله مصطفين صفا واحدَا وسط طلقات نارية؛ تحية له، مصرين على مصافحته فردًا فردًا، رغم حرارة  الطقس .

وقد توافق كل من كوكس ومايلز في وصف عبري بأنها أهم تجمع بشري في منطقة الظاهرة، وأن لها أن تتباهى بما فيها من بساتين شاسعة من النخيل، وبسوقها العامر، وجامعها الكبير، ووصف سكانها بأنهم أهل ود وطباع وأخلاق حسنة.

البعد الاجتماعي ونشاط الأهالي وحسن أخلاقهم:
أفرد جيمس موريس في صفحات رحلته إلى عمان صفحات عديدة عن عبري التي زارها بصحبة السلطان سعيد بن تيمور، في رحلته الشهيرة عام 1955م، حيث وصف عبري بأنها أكثر المناطق سلاماً. وبعد جولة عند الظهر تنقل فيها بين شوارع عبري وحاراتها؛ خرج الرحالة جيمس موريس بانطباع أن عبري مكان ذو (شخصية  مميزة) ، وأنها نموذج ( للواحة العربية التي خلدها الشعراء والفنانون ). كما كتب موريس عن سوق عبري بأنه مليء بالنشاط والحيوية وبه شتى أنواع البضائع المحلية والمستوردة كما يكثر فيه الحرفيون. وقد وصف أهل عبري بالطيبة وحسن المعشر.

وقد تميزت كتابات جيمس موريس بأنها ذات بعدين، بعد اجتماعي وآخر جغرافي. فقد وصف نشاط وحيوية وحركة الحياة الاجتماعية والتجارية في عبري مما يشير إلى وجود مجتمع حيوي يضج بالحياة النشطة. ويصور موريس جزءًا من مشاهدته لتجمع النساء حول الفلج وهذا مؤشرٌ يدل على زيارته للقرى بعبري التي تعتمد نظام الأفلاج في الري والسُّقيا. وأنه تعامل مع الأهالي فيصفهم بالطيبة وحسن العشرة. ويجسد نشاطات الحياة التي رآها في عبري إذ لم تكن مقتصرة على الزراعة بل تجمع إلى جانب الزراعة التجارة والنشاطات الحياتية الأخرى. ويضيء جيمس موريس في صفحات كتابة عن عبري البعد الاجتماعي بصورة أوسع عن كتابات الرحالة السابقين وقد يعود الأمر إلى تعمقه في زيارة القرى والمكوث بعبري فترة مما أعطاه فرصة للكتابة بصورة أوسع. ويجدر بي أن أشير إلى اتفاق كل من مايلز وجيمس موريس في اتفاقهما في ذكر بعض الفواكه التي يغلب الظن أنهما لم يشاهداها بل شاهدا أصناف الرطب كما ذكرت سابقًا، فكلاهما زار عبري في موسم الرطب الذي يتنوع ويتعدد والدليل ذكر مايلز ووصفه لرطب عبري.

كما أعطى الاثنان (مايلز وجيمس موريس) صورة عن الأنشطة الحياتية للمرأة بعبري؛ فقد صور مايلز النساء البائعات في السوق وطبيعة المبيعات التي أمامهن، كما رسم جيمس موريس صورة لنساء القرية اللاتي يذهبن إلى الفلج وفي الغالب لإحضار ماء الشرب.

كان لعبري حظّ وافر في كتابات الرحالة السياسيون الذي هندسوا منطقة الخليج العربي وهذه الكتابات التي تزيد عن قرن ونصف القرن تستحق الدراسة والتحليل والتفنيد والنقد، فكما يكتب الآخر ليقدم صورته، على الأنا (الذات) أن تتحقق من تلك المشاهد وحيثياتها وتنظر للوثائق التي تخدمها تلك الكتابات.

 2,308 total views,  2 views today

Hits: 70