السيد قصي الخباز


ولد أفلوطين في مدينة  ليقوبوليس و التي تسما حاليا المنيا في مصر[1] ويذكر تلميذه الشهير فرفوريوس أنه تتلمذ في الاسكندرية لأمونيوس ساكاس، ثم انتقل إلى روما، حيث مارس التعليم، وأصبح معلماً ذائع الصيت يلقي دروسه على الملأ، وبلا أجر.

لقد جمع أفلوطين جميلة من أمتيازات خلدت أسمه في تارخ الفلسفة فهو كما يقول جورج طرابيشي: ” كان مصريا بدمه، إسكندريا بتربيته الفلسفية، رومانيا بمدرسته “[2]

لم يعرف لأفلوطين كتابا سوى ما جمعه تلميذه فرفوريوس من نصوص منسوبه إليه سميت بعد ذلك “بالتاسوعات”

كانت فلسفة أفلوطين في الأصل فلسفة محكية مثل سائر فلسفات العصور القديمة، ثم دونت في التاسوعات. فالتاسوعات تدوين للمناقشات الحية، التي كانت تجري في مدرسة أفلوطين، وذلك بطريقة أقرب، إلى الاختزال. وهي تتألف من أربع وخمسين مقالة متفاوتة في طولها تفاوتاً كبيراً، وموزعة على ست مجموعات، كل مجموعة منها مؤلفة من تسعة أقسام. وهذه المجموعات مرتبة ترتيباً شبه منهجي، فالمجموعة الأولى تبحث في الإنسان والأخلاق، والثانية والثالثة تبحثان في العالم المحسوس وفي العناية، والرابعة في النفس، والخامسة في العقل، والسادسة في الواحد أو الخير فالتاسوعات، إذن، تعبير عن مذهب أفلوطين الفلسفي وقد بلغ نضجه.[3]

عالم المعقولات

إن قوام عالم المعقولات هو الوحدة المتعددة، أو الوحدة في الكثرة، فلا بد من وضع (الواحد) المطلق الخالي من كل تمييز أو تنوع فوقها. إن التعدد (أو الكثرة) لا يكون أولاً، فقبل العدد اثنين توجد الوحدة. ووحدة النظام حقيقة أعلى منه وسابقة عليه، فهو «يصدر» أو يفيض» منها. فأقنوم «الواحد» أعلى من عالم المعقول، لأنه «المبدأ» أو «الأول». ومن الناحية الأخرى يجب أن يوجد أقنوم آخر تحت عالم المعقول، فلكي يتحقق النظام في المادة، ولكي يولد العالم المحسوس، لا بدّ من وجود وسيط فاعل ومتحرك بين «العقل» والمادة، بقدر ما تكون هذه المادة جديرةً بقبوله فيها. هذا الوسيط هو النفس، أو الأقنوم الثالث.

ولكن لماذا لم يبقَ الواحد في عزلته؟ لماذا ولّد عالم المعقول، وعالم المعقول ولّد النفس؟ يجيب أفلوطين باللجوء إلى ضرب الأمثال: «ما أن يبلغ الموجود درجة كماله حتى نراه يلد، إنه     لا يتحمل أن يبقى في ذاته، وإنما يبدع موجوداً آخر… النار تدفئ، والثلج يبرد، كل الأشياء، بقدر طاقتها، تحاكي المبدأ في الأبدية والخير».[4]

النفس

يرى أفلوطين أن هناك حياة روحانية واحدة ومتأقنمة في ثلاث أقانيم: الواحد، والعقل، والنفس. ويبدأ تيار هذه الحياة من الواحد وينتهي في العالم المحسوس. أما النفس فلها، عند أفلوطين، مكانها الخاص في سلسلة الأقانيم، «فهي آخر العلل المعقولة: آخر العلل في العالم المعقول، وأولى العلل في العالم المحسوس، ولهذا كانت على علاقة بكليهما»[5]. إنها تحتل بين الموجودات مرتبة وسطى: فهي إلهيّة في جزء منها، ولوجودها في أقصى الموجودات المعقولة، وعلى

تخوم الطبيعة المحسوسة، فإنها تعطيها شيئاً من ذاتها

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المادة

لم يساير أفلوطين الأفلوطينية المحدثة في خلطها بين (الأول والمعقولات الأولى) أو بين (الصورة والهيولى) بل جعل الوجود المادي شيئا صادرا ومشتقا عن الوجود الأول والذي يقصد به الله [6]

وهو أيضا يخالف أرسطو، فينفي أن الماهيّة هي قوام وحدة الموجود، لأن «الإنسان حيوان ناطق، وأشياء أخرى عديد

ة أيضاً. ووحدة العقل ـ الذي هو مجموع الماهيّات ـ ليست إلا ظلاّ باهتاً للواحد الحقيقي».

ـ وعند أفلوطين تصور عرفاني للواحد مختلف عما سبق كل الاختلاف. فعندما يتساءل عن مصدر الكثرة يقول إنها بفعل الواحد، وليس هذا الفعل مادياً، وإنما هو فعل روحاني يحصل من دون أن يتحرك الواحد أو يريد، فهو يفعل فعله ويظل كما هو في سكونه الأبدي. «فالواحد، يفيض لأنه كامل، وهذا الفيض ينتج شيئاً مختلفاً عنه. وعندما يلتفت الشيء المولود نحوه يخصب، وعندما ينظر إلى ذاته يغدو عقلاً».[7] هنا لا يبدو الواحد موضوعاً للعقل، بقدر ماهو العلة التي تجعل للعقل موضوعات، أو هو المبدأ الأعلى للحياة الروحانية، الذي بفضله يمكن للعقل أن يتأمل موضوعاته.

والحق أن فلسفة أفلوطين كلها تبرز هذين الوجهين: فهي، في وجهها الأول، بناء عقلي متين تترابط فيه صور الحقيقة المختلفة فيما بينها وفق قوانين ضرورية. ومن جهة أخرى يصف أفلوطين تجربة نادرة متقطعة تفوق الوصف والتعبير، هي تجربة الاتحاد بالواحد، أو تجربة الوجد الصوفية. وليست هذه التجربة الصوفية بالقطع انطباعاً مؤقتاً عابراً عند أفلوطين، وإنما هي من صلب مذهبه، لأنه لا وجود عنده للمعرفة العقلية من دون الحياة الروحانية.

 

الأفلاطونية المحدثة

لابد لنا ونحن في معرض الحديث عن أفلاطون المرور بالأفلاطونية المحدثة حيث يطلق اسم الأفلاطونية الجديدة على تيار فلسفي جديد ظهر في القرن الأول قبل الميلاد، وفي القرنين الأول والثاني بعد الميلاد، اهتم بتجديد الفلسفة الأفلاطونية. ولعل فيلون الاسكندري أقدم ممثلي هذا التيار. فلما جاء أفلوطين طغى صيته على جميع سابقيه من ممثلي الأفلاطونية الجديدة، وأصبح علمها الأبرز، إذ صار لها معنى آخر شاع في أذهان كثيرة، فصارت الأفلاطونية الجديدة تعني عندهم فلسفة أفلوطين بالذات، أو على الأقل المدرسة الفلسفية التي أسسها أفلوطين. وقد انتشرت الأفلاطونية المحدثة في البداية في القسم الشرقي من الامبراطورية الرومانية، وتحديداً في شمالي سورية اليوم في أفامية وأنطاكية

وفي بداية القرن الخامس الميلادي تفرع عن هذه المدرسة السورية فرعان: مدرسة برغام التي تخلت عن العقلانية اليونانية القديمة تماماً، ومدرسة أثينا التي توصلت إلى الانغراس فوق الأصل القديم للأكاديمية (أفلاطون)، كما ظهر في المرحلة نفسها فرع في الاسكندرية نشط حتى بعد إغلاق جوستنيان الأول[8] لمدرسة أثينا.

أن الأفلاطونية الجديدة، في الواقع، لم تقتصر على نصوص أفلاطون، بل استقت من نصوصه كلها. ثم إنها لم تحصر نفسها في إطار أعمال أفلاطون، بل أخذت بعض مواقف أرسطو، واستمدت من الرواقيين بعض موضوعاتهم، كما أنها خضعت لتأثير الأساطير الدينية الشرقية.

والأفلاطونيون الجدد كثيرون، أبرزهم على الإطلاق أفلوطين نفسه. أما أشهرهم بعد أفلوطين فهم:[9]

فرفوريوس الصوري (233- 305م)، أمين سر أفلوطين المخلص الوفي، الذي كتب «حياة أفلوطين» ورتّب كتاباته في التاسوعات. وفرفوريوس شخصية معقدة، لقي عناء كبيراً في التوفيق بين وفائه لمعلمه أفلوطين، وبين إعجابه بأرسطو، وإيمانه الديني بالوحي للكهنة. ضاعت معظم آثاره الفلسفية. وإليه ترجع، على الأرجح، جذور ماأطلق عليه، على نحو غير ملائم، اسم «الأفلاطونية الجديدة اللاتينية».

 

2 ـ يامبليكوس (جامبليق) (المتوفى نحو 330م)، وهو تلميذ فرفوريوس. كان من الفيثاغوريين الجدد، ومن أشد أنصار الوثنية في مرحلة أفولها. ثار على ما اعتقد أنه «مذهب عقلي» عند أفلوطين، وأدخل في الأفلاطونية الجديدة فكرة تسويغ طقوس الشعوذة الدينية.

أبرقلس (412- 485م)، كان تلميذاً لسوريانوس في أثينا، وهو الأكثر منهجية بين الأفلاطونيين الجدد.

4 ـ داماسيوس (المولود نحو 485م)، وهو آخر معلم في مدرسة أثينا، تميّز بحسّه النقدي، وثاقب نظره، ونفاذ بصيرته.


ختاما فإني وجدت ميلاد أفلوطين ودراسته شرقيتين أما مدرسته في أثينا فقد كانت في مرحلة العطاء بعد النضج، لذا أقول إنه يمكن تصنيف أفلوطين من فلاسفة الشرق إن صح هذا التصنيف.

[1]  زيدان، يوسف. 2003. بداهات التدين. دار الشروق. ص. 20

[2] جورج طرابيشي (2006 م). معجم الفلاسفة (الطبعة الثالثة). بيروت: دار الطليعة، ص76

[3] الموسوعة العربية، أعلام ومشاهير، ج2، ص934

[4] المصدر السابق

[5] المصدر السابق

[6] الدليل الفلسفي، رحيم أبو رغيف، ج1، ص101

[7] الموسوعة العربية، أعلام ومشاهير، ج2، ص934

[8] الإمبراطور جستينيان الأول (482-565م) كان إمبراطوراً رومانياً شرقياً (بيزنطياً) حكم منذ أغسطس عام 527 حتى وفاته

[9] عبد الرحمن بدوي، الأفلاطونية المحدثة عند العرب، ط2 (الكويت 1977)

 356 total views,  5 views today

Hits: 79