السيد قصي الخباز


بعيدا عن مدركات العقل النظري وذاتيتاها ومدركات العقل العملي وحسنها وكيف تتم عملية الادراك وما هي القوة التي تعملها من قوى النفس، حق لنا أن نخرج العقل النظري لحيز التنفيذ.

كما تعلم أيها القارئ العزيز أن مدركات العقل العملي هي مدركات متعلقة بالحسن والقبح (الظلم، التسامح، الصدق، الأمانة، الكرم،…) ولكن هذا العقل مسؤول عن عملية الأدراك وليس من شأنه العمل وفق هذا الادراك وعليه لا بد من وجود قوة نفسانية تخرج هذا الأدراك وتترجمه لواقع عملي فما هي هذه لقوة؟ وكيف يتم تفعيلها؟

قال الفيلسوف محمد حسين الطباطبائي:

(فمبادئ الفعل الإرادي فينا هي العلم والشوق والإرادة والقوة العاملة المحركة. هذا ما نجده من أنفسنا في أفعالنا الإرادية)[1]

إذن بعد الفراغ من إدراك حسن السلوك وليكن الصدق مثلا لا بد من أشياء تخرجه من مكنون النفس ومدركاتها ليكون تطبيقا عمليا، وهذه الأشياء حسب ما جاء في عبارة العلامة باعتبار هذا السلوك ( الفعل الارادي ) هي علم يقوى في النفس حتى يكون ملكة تشتاق النفس لفعلها فتحتاج إلى إرادة قوية تدفع القوة العاملة لنتحصل على نتيجة تطبيقية لمدركاتنا العقلية السلوكية.

إن الاجتماع المدني الدائر بين افراد النوع الانساني مبنى على المبادلة حقيقة فما من مواصلة ومرابطة بين فردين من افراد النوع إلا وفيه إعطاء واخذ فلا يزال أفراد المجتمع يتعاونون في شؤون حياتهم يفيد فيه الواحد غيره ليستفيد منه ما يماثله أو يزيد عليه، ويدفع إليه نفعا ليجذب منه إلى نفسه نفعا وهو المعاملة والمبادلة.

لقد علمنا القرآن لكريم عبر قصة نبي الله شعيب عليه السلام كيف يكون الإصلاح في قوله عز وجل:

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)[2]

جاء في تفسير الميزان ” ان الصنع الإلهي وإن أنشأ الانسان مختارا في فعله حرا في عمله له أن يميل في مظان العمل إلى كل من جانبي الفعل والترك فله بحسب هذه النشأة حرية تامة بالقياس إلى بنى نوعه الذين هم أمثاله وأشباهه في الخلقة لهم ما له وعليهم ما عليه فليس لأحد ان يتحكم على آخر عن هوى من نفسه.
إلا أنه أفطره على الاجتماع فلا تتم له الحياة إلا في مجتمع من افراد النوع يتعاون فيه الجميع على رفع حوائج الجميع ثم يختص كل منهم بما له من نصيب بمقدار ما له من الزنة الاجتماعية، ومن البديهي ان الاجتماع لا يقوم على ساق إلا بسنن وقوانين تجرى فيها، وحكومة يتولاها بعضهم تحفظ النظم وتجرى القوانين كل ذلك على حسب ما يدعو إليه مصالح المجتمع.[3]

 تأمل في مفردات الآية (البينة، الإرادة، الإصلاح، الاستطاعة، طلب التوفيق، التوكل على الله، الانابة).

ألا ترى بأن تقوية كل معنى من هذه المعاني في النفس كفيل بعلاج جزء من أجزاء المنظومة حتى يتم الإصلاح التام لهذا الخلل النفسي ثم اصلاح الخلل الاجتماعي؟

فيجب إذا تقوية الإرادة؟ وكيف نقوي الإرادة؟ ان نقحمها بالعمل

وجاء عن الإمام علي بن موسى – أحد أئمة أهل البيت – : ( سبعة أشياء بغير سبعة أشياء من الاستهزاء: من استغفر بلسانه ولم يندم بقلبه فقد استهزء بنفسه، ومن سأل الله التوفيق ولم يجتهد فقد استهزء بنفسه…)[4]

والتوكل على الله درجات أدناها أن يتوكل عليه في بعض الأمور دون البعض الآخر هذا في الأمور التكوينية أما في الإنابة فهي التسليم بأن الرجوع في جميع الأمور التشريعية لله عز وجل

إنما أردت في هذه المقالة التعبير عن البون الشاسع بين مدركاتنا وبين أعمالنا في الخارج لنعرف سويا الخلل في هذه المنظومة ليتسنى لنا إصلاحه .


[1] نهاية الحكمة، ص157

[2] سورة هود آية 88

[3] تفسير الميزان، ج10، ص367

[4] بحار الأنوار، ج75، ص356

 1,099 total views,  5 views today

Hits: 0