Ahmed F

أحمد الفلاحي

 

قرأتُ أكثر من مرة، ولعلني أتخذ هذا الموقف توطئة لما أود الحديث حوله، يقال إنه في إحدى المرات رأت الفنانة فيفي عبده، الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ -رحمه الله- وهو يركب سيارة قديمة وهي تمتلك سيارة مرسيدس فاخرة؛ فقالت له ساخرة: “شوف الأدب عمل فيك إيه؟!!”، فأجابها: “وإنتِ شوفي قلة الأدب عملت فيكِ إيه”.

تؤكِّد كثير من الأطروحات هنا أو هناك أن “المثقف” -حسب التعريف المباشر للكلمة- واقع في مأزق تمثله قوتان تتجاذبان أطرافه المختلفة، وهو في قرارة نفسه لا يريد الفكاك منهما حتى لا يفقد مجموعة المزايا التي يتحصَّل عليهما، أو من إحداهما على حساب الطرف الآخر، كما أنه في الوقت نفسه غير قادر على أن ينحاز إلى قوة دون أخرى.. معادلة يبدو أنها مُتشابكة التقاطعات، ومعقدة التراكيب، هاتان القوتان هما (المجتمع والسلطة)؛ وبالتالي هو في كلا الطرفين “لا طايل بلح الشام ولا عنب اليمن”، كما هو المثل العربي المعروف؛ حيث يتلقى المأزق الناشئ من مجموعة تقاطعات هاتين القوتين، ويظل هذا المسكين “المثقف” ضحية المفارقات الميكانيكية -كفعل مباشر- والموضوعية كمعاناة من مجموعة التناقضات، والتقاطعات، المتقاربة والمتباعدة بينهما، ويا ليتها تقاطعات تفضي إلى تكامل، أو تناقضات تحدِّد هوية كل طرف عن الآخر، حتى يستريح صاحبنا “المثقف” من هذا العناء الممتد، وبالتالي فهو “عندما يفشل يموت جوعًا، وعندما ينجح يصنع ثراء الآخرين”، كما هو تعبير الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي -التي تكتب للصحافة فقط لتعيش، كما تقول- والتي كتبت مرة مقالا مشهورا حمل عنوان “بلاد المطربين.. أوطاني”، تقول فيه (بتصرُّف): “وصلتُ إلى بيروت في بداية التسعينيات، في توقيت وصول الشاب خالد إلى النجوميّة العالميّة. أُغنية واحدة قذفت به إلى المجد، كانت أغنية “دي دي” شاغلة الناس ليلاً ونهارًا. (…)، كنت قادمة لتوِّي من باريس، وفي حوزتي مخطوط “الجسد”، أربعمائة صفحة قضيت أربع سنوات في نحتها جملة جملة؛ محاوِلة ما استطعت تضمينها نصف قرن من التاريخ النضالي للجزائر، إنقاذًا لماضينا، ورغبة في تعريف العالم العربي إلى أمجادنا وأوجاعنا. لكنني ما كنت أُعلن عن هويتي إلاّ ويُجاملني أحدهم قائلاً: “آه.. أنتِ من بلاد الشاب خالد!”، (…)، لم يحزنّي أن مطرباً بكلمتين، أو بالأحرى بأغنية من حرفين، حقق مجداً ومكاسب لا يحققها أي كاتب عربي نذر عمره للكلمات، بقدر ما أحزنني أنني جئت المشرق في الزمن الخطأ”.

هذا النحت الوجداني العميق الذي تبديه هذه الكاتبة والروائية المتحققة، ليس فقط على مستوى الوطن العربي؛ بل على مستوى العالم؛ حيث تترجم أعمالها المختلفة إلى كل لغات العالم الحي. وفي المقابل، تباع آلاف النسخ منها -كما صرَّحت مرة- لم يأت من فراغ، وإنما من معاناة حقيقية يعيشها هذا المثقف الكاتب، الذي في كثير من الأحيان لا تنحني له الرؤس احترامًا أو تقديرًا، بقدر ما تبتعد عنه النفوس والقلوب إنكارًا لصنعته، واستفزازًا لقناعته، وكأنه من كوكب آخر، غير الكوكب الذي يعيش عليه من يتقاسم معهم حلو الحياة ومرها، هل لأنه لم يخلص لمهنته، وهو يُقنع نفسه بأنه في مهمة رسولية طلائعية، أم أنه لم يعد صاحب موقف يقدر الآخرون منه هذه الموقف، أم أنه مع كل ناعقة يكون، أم أنه لا يزال يحلم بالوصول إلى سدنات المجد المادي البحت؛ وبالتالي هو يسمع صوته لكي يراه الآخرون فقط، على أنه مُتخذ المهنة مطية، أو مرحلة انتقالية للوصول إلى الغاية؟ وبالتالي من وصل؛ كيف أصبحت حاله؟ أين القيم والمبادئ التي كان ينادي بها عندما اتخذ الكلمة محتكما؟ أين ذهبت المُثل والقدوة؟ كل هذا يؤرِّخه الآخرون عنه، وينحتونه على سيرته الخالدة؛ وبالتالي هو يحاكم على هذا الأساس؛ فعليه أن يعبث بما تبقى من عذرية الكلمة؛ فللكلمة عذرية مُطلقة، ومن يعبثون بعذريتها سرعان ما ينكشفون، وعلى ملأ من الناس يُعرفون، ومثل هؤلاء لا يتستر عليهم التاريخ، ولا تحتويهم مناخاته المختلفة؛ فالتاريخ محكم بارع والحذر منه واجب، ومن يرد أن يعقد صفقة رابحة معه عليه أن يكون صادقًا مثله، ومحقًّا كحقائق أحداثه. وهنا أنأى بالتاريخ بعيدًا على أيدي العابثين الذين سيحاكمهم يوما ما بما لوثوه من “خربشاتهم” نزولاً لمصالحهم الخاصة.

يقول الكاتب أحمد عبد المعطي حجازي -في مقال له نشرته مجلة “دبي الثقافية”، في عددها 81، الصادر في فبراير 2012م: “الإنسان الفاضل عند روسو هو الإنسان الطبيعي، هو الإنسان الذي لا يجد في نفسه حاجة للتفكير في الفضيلة أو في الرذيلة؛ لأنه في الطبيعة لا يكون مطالبًا إلا بالاستجابة لحاجاته الطبيعية التي لا تزيد عمَّا يتوفر له بالفعل. فهو مكتف لا يغتصب شيئًا من غيره، ولا يغتصب غيره شيئًا منه. وهو في الطبيعة يندمج فيها ولا يشعر بوجود مسافة تفصله عنها أو تجعلها سؤالاً مطروحًا أو موضوعًا أو سرًّا يسعى لكشفه أو يحتاج الأن يفكر فيه؛ فالتفكير عند روسو يخرج الإنسان من الطبيعة ويجعله غريبًا عنها. وفي هذا يقول: حين يفكر الإنسان يقف ضد الطبيعة، ويفقد نفسه ويفسد”. والمثقف -من خلال التجربة- لا يستسلم لحاجياته الطبيعية؛ فهو مُناكف مشاكس، يتبنَّى المُثل، ويسعى إلى تحقيق العدالة في الأرض كما يتوهم، وهو مَسْعَى حميد إذا قارنه صدق، وشفافية، وحيادية في المواقف، ألم يضع نفسه في مهمة “رسولية”، كما يقنع نفسه؟ وهذه معادلة ليست يسيرة، فإنْ أخلص لها أيما إخلاص، يقينا سوف يصطدم مع إحدى القوتين (المجتمع أو السلطة)، وإن هادن إحداهما سيكون ذلك على حساب الأخرى؛ لذلك هناك من يُسلِّم عهدته مبكرًا، ويعود إلى مربعه الأول، وهناك من لا يستسيغ القعود خلف الحفر، نزولا عند قول أبي قاسم الشابي:

“إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ…

رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر

وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ…

وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـبِ المُسْتَعِـر

وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ…

يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر”

دون أن يلتفت إلى قول زهير بن أبي سلمى:

“ومن لا يصانع في أمور كثيرة…

يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله…

على قومه يستغن عنه ويذمم

ومن يجعل المعروف في غير أهله…

يفره ومن لا يتق الشتم يشتم”

إنَّها قمَّة في التعقيد والحيرة، ومع ذلك “سعي المثقف إلى تنصيب نفسه وصيًّا على الحرية والثورة، أو رسولا للحقيقة والهداية، أو قائدًا للمجتمع والأمة، ولا يحتاج المرء إلى بيانات لكي يقول إنَّ هذه المهمة الرسولية الطليعية قد ترجمت إلى الأرض فشلاً ذريعًا وإحباطا مميتا؛ فالمثقفون حين سعوا إلى تغيير الواقع -من خلال مقولاتهم- فوجئوا دوما بما لا يتوقع: لقد طالبوا بالوحدة. فإذا الواقع ينتج مزيدا من الفرقة، وناضلوا من أجل الحرية؛ فإذا بالحريات تتراجع. وآمنوا بالعلمنة فإذا بالحركات الأصولية تكتسح ساحة الفكر والعمل”. كما يؤكد ذلك الكاتب والروائي تركي الحمد؛ في كتابه “الثقافة العربية في عصر العولمة”؛ فهذه المهمة الطليعية مكون موضوعي في ذاتية “المثقف”، وهي مهمة الرسل والأنبياء، بلا شك، ولكن آن لها أن تتحقق في بيئة مشاعرية -إن جازت التسمية- تتقاذفها الأطماع والأهواء.

… منذ فترة ليست ببعيدة، قرأتُ ثلاث تغريدات، أضحكتني، وأبكتني في نفس الوقت؛ أضحكتني لسذاجة أصحابها، وأبكتني لمكانتهم في نفسي، ولما كوَّنوه في نفوس الآخرين من حولهم؛ الأولى: أعلن من خلالها صاحبها استقالته من مؤسسته الأكاديمية، والثانية: أعلن من خلالها صاحبها نيته الخروج من السلطنة والبحث عن جغرافية أكرم، والثالثة: أعلن من خلالها صاحبها توقفه عن الكتابة.. كلُّ هؤلاء استخسروا جهودهم التي بذلوها لأن تذهب هباء منثورا، وكيف يحدث هذا؟! فقد “فوجئوا دوما بما لا يتوقع” -حسب تعبير تركي الحمد- وبالتالي -وهذه مناورة لأحد طرفي المعادلة (المجتمع أو السلطة)- لا بد أن تكون هناك ردة فعل تجبر الخواطر من أحد طرفي هذه المعادلة، وقد تحقَّق من طرف المجتمع عندما انهالت سيل العبارات المبجلة والمثمنة؛ سواء بالكتابة أو بالصورة المباشرة.. فهل هذه هي الغاية التي يسعى إلى تحقيقها “المثقف”؟ فإن كان الأمر كذلك، فعليه أن يتنازل عن وهم “المهمة الرسولية” فهي أسمى من ذلك بكثير.

وفي حوار جميل، قرأته عبر مجلة “دبي الثقافية” -في عددها 118، الصادر في شهر مارس 2015م- أجري مع الأستاذ هشام علي وكيل وزارة الثقافة في اليمن، حول المأزق السياسي للثقافة؛ قال في إحدى إجاباته عن السؤال المطروح: “بعد أن أدَّى المثقفون في الغرب مهامهم، تركوا الأمر للتكنوقراط والمثقفين الاستشاريين، لم يعد هناك حاجة لديهم للمثقف الملتزم الذي تحدث عنه غرامشي أو سارتر… وغيرهما من المفكرين في الستينيات، لقد أدَّى المثقفون في الغرب أدوارهم، ومن ثم تحولوا إلى أساتذة في الجامعات ومستشارين في مؤسسات كبرى، نحن انتقلنا معهم إلى هذا الدور في الوقت الذي لم يُؤد المثقفون لدينا أدوارهم -كمثقفين ملتزمين- قيم النهضة ملتحمين مع تطلعات المجتمع، قبل أن يتحوَّلوا إلى خبراء يعملون لصالح السياسة…وغيرها بما في ذلك المخابرات والقنوات الفضائية”، ويبدو -حسب الفهم- من تعبير الأستاذ هشام أننا مُستعجلون جدًّا، وغير قانعين جدًّا، ونريد أن نكون مع الكل جدًّا، ولا يهمنا في المقابل الصورة المترهلة التي نعكسها للآخر جدًّا، وهذه إشكالية في بنية الثقافة معنا جدًّا، ومتى استمرأ “المثقف” هذه الصورة واستحسنها، ورضي بها، فعليه ألا يعتب، وألا يستقيل، وألا يترك بلده، وألا يناصب الكلمة العداء، وأن يرضى بالقسمة التي هو عليها، وإذا كانت المسألة ترتبط بتغيير واقع والسعي نحو الأفضل؛ فالحياة منذ خليقتها الأولى تسير وفق تراتبية لا تخرج كثيرًا عن نمطيتها المعهودة؛ فبقدر ما هنالك ظلم هنالك في المقابل عدالة، وبقدر ما هناك بخل يقابله كرم، وبقدر ما هنالك غباء يقابله ذكاء، كما هي نمطية توالي الليل والنهار بما فيهما من آيات عظيمة للبشرية؛ “وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا” (الإسراء).

تجبرنا تجارب الشعوب -عند الحديث في هذا الجانب- على التوقف لأخذ العبرة؛ فهم المسكونون أيضا بنفس هذه الهواجس؛ فالهواجس الإنسانية متشابهة إلى حد بعيد، وإن تدخلت البيئة في إضافة لون أو نكهة على تجربة هذا الشعب دون الآخر، ولعلنا لاحظنا في رد وكيل الثقافة اليمني أعلاه ما يشير إلى ذلك، ولكنها تقترب كثيرًا إلى المقاصد العامة في سعي الإنسان نحو حياة أفضل، كما يعتقد؛ أو يود؛ فكثيرًا من هذه التجارب وجدنا الإنسان “المثقف” حديثَ هذه المناقشة اليوم، والذي صنف نفسه في هذه الفئة دون غيرها كثيرًا من تنازل عمَّا كان ينادي به قبل أن يتحقق، وبعدما تحقق انتقل -بقدرة قادر- من كينونته الثقافية الصغيرة -الجميلة بقيمها ومبادئها- إلى هالة كبيرة تسمَّى السياسة؛ حيث أصبح صاحبنا بين عشية وضحاها “سياسي” يتبنى موقفا -وصفه القرآن الكريم كما جاء على لسان فرعون- “قال فرعون ما أوريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”.. فهل إلى هذا الحد تكون السلطة مغرية؟! لذلك؛ فهناك من يتخذ موقفًا من هذه الصورة، كما نقرأ ذلك في قول المفكر العربي على أحمد سعيد “أدونيس”؛ متحدثًا إلى “دبي الثقافية” -في عددها 80، المنشور في شهر يناير 2012م- يقول: “يأتي نقدي لكل الثورات الفكرية، ولا ألتقي مع أيٍّ منها على الإطلاق، لا شعريا، ولا فكريا؛ لأن هاجسها الأساس هو الوصول إلى السلطة، بدلاً من أن يكون هاجسها الأساس بناء مجتمع، وبناء عقلية جديدة. وبذلك كل شيء يصبح وسيلة؛ فعندما يكون الهاجس الوصول إلى السلطة يصبح الدين وسيلة، والماركسية وسيلة.. وللأسف كل ذلك للوصول إلى سلطة لا تجدي شيئا؛ لأن السلطة بالمعنى العميق وبالمعنى الإيجابي هي تتويج لانقلاب جذري من القاعدة”.

هل نُنهي هذه المناقشة على أنه لم تعد مهمة “المثقف” التي يناضل لأجلها ليل نهار “مهمة رسولية” بالمعنى الحرفي للكلمة؟ وهل على المثقفين أن يُسلِّموا أدواتهم لمهمة التكنوقراطيين، إن لم يستطيعوا هم التحول -كما جاء على لسان الأستاذ هشام علي- أفلم يعد المجتمع متفهمًا لهذه المهمة الرسولية للمثقف؟ ألم يعد للكلمة -وهي إحدى الأدوات التي يتكئ عليها المثقف- تأثير في هذا الجمهور الذي أصبح نوعيًّا إلى حد كبير؟ ألم يعد لنظرية الرصاصة -وفق النظريات الإعلامية- التي ذاع صيتها في أواخر القرن العشرين الماضي، أي أثر اليوم؟ هل للثورة الاتصالية أثر في هذا الاتجاه؟ هل أصبح كل الناس “مثقفين” يعلنون ما يشاؤون، ويقولون ما يريدون، ولا يسمعون إلا ما يريدون؟ هل تداعت برجوازية الكلمة إلى حد الانتهاء؟… أسئلة لا أبحث لها عن إجابة، ليقيني أن أداة “نعم” هي الماثلة هنا.

 6,595 total views,  2 views today

Hits: 287