بقلم مسعودة نورالدين الأطرش

كاتبة في أدب الطفل من الجزائر


تغييرُ النّفوسِ والسّلوكاتِ.. هوَ أساسُ كلِّ تغييرٍ

أيمنُ طفلٌ يهوَى التّنزُّهَ فِي الحدائِقِ وَالغاباتِ، يتردَّدُ إلَيهَا كلَّمَا سنحَتْ لهُ الفَرصةَ بِذلكَ. وذاتَ مرّةٍ عندمَا همَّ بِالعَودةِ إلَى المنزلِ بعدمَا طالَ بهِ المقامُ، فِي إحدَى الحدائقِ البهيجةِ، متفسِّحًا يجوبُ([1]) خلالَ الأشجَارِ، يستنشِقُ الهواءَ العلِيلَ الذّي يعُمُّ الأرجَاءَ، ويملأُ عينَيْهِ بخُضرةِ النّباتاتِ الَّتِي تبعثُ علَى الرّاحةِ.

أخذَ يبحثُ هُنَا وهناكَ عن سلّةِ مهملاتٍ، يتخلّصُ فيهَا من ورقةِ الحلوَى، الَّتي تناولهَا أثناءَ تنزُّهِه.

مشَى أيمنُ مسافةً ليسَتْ بِالقصِيرةِ دونَ أنْ يجِدَ ضالّتَه، ثمّ جلسَ على مقعَدٍ ليَنعَمَ باستِراحةٍ، غيرَ أنّهُ أخذَ يتضَايقُ من مَحْملِ تِلكَ النِّفايةِ، فَجالَ([2]) بِنظرِه حولَ الحدِيقةِ الشَّاسِعةِ، عسَى أنْ تلُوحَ لهُ سلّةٌ من جهةٍ مَا، غيرَ أنّهُ لمْ تقعْ عيناهُ سِوى علَى القُماماتِ، الَّتِي أفسدَتْ منظرَ الحدِيقةِ الجمِيلةِ؛ ففِي كلِّ جهةٍ يرَى عُلبةَ عصِيرٍ أو أوراقَ حلْوَى، أَوْ قارُورةَ ماءٍ فارغةٍ، وهيَ لا تخلُو من أشياءَ أخرى مُنفِّرَةٍ… وهوَ يتفحّصُ المنظرَ، حدَّثَتْه نفسُه قائلةً:

الأَوساخُ تملأُ المكانَ، وهذهِ النِّفايةُ -ويرمُقُ الورَقةُ الَّتِي بِيدِه- لا تكادُ تظهرُ أمامَها، لـِمَ لاَ أرمِيها وأجعلُ حدًّا لـمُعانَاتِي.

ولمْ يسمَحْ لـهذَا الحدِيثِ أنْ يطُولَ، وقبلَ أنْ يُغالبَه تردُّدُه فيتَراجَعْ عنْ رأيِه، سارعَ ومدّ يدَه وراءَ ظهرِه، وهوَ يلتفتُ يَمْنةً ويسرةً، ثمَّ ألقَى بِالورقةِ، ولم تكدْ تقعْ على الأرضِ حتّى ولّى مدبرًا، ومشاعرُ النّدمِ والخزيِ تُخالجُه ممّا اقترفَ؛ بيْد أنّها لم تحملْه على العودةِ والاستدراكِ، رغمَ أنّه انتبهَ لِوجودِ صُندوقِ قمامةٍ بعدَ مسافةٍ قصيرةٍ، لم يلقَ منهُ سوَى شزْرَ النّظرِ([3])، وشدّةَ الامتعاضِ، على كونِها في زاويةٍ يصعبُ رؤيتُها من بعيدٍ، وبهذهِ المشاعرِ دُفعتْ سابقتُها، فصارَ أيمنٌ أقلَّ ندمًا وأكثرً هدوءًا.

قدْ نالَ التّعبُ منْ أيمنَ ذلكَ اليومِ، وبلغَ منهُ الإعياءُ أيّما مبلغٍ، فمَا إنْ أسندَ رأسَه على الوِسادةِ ليلاً حتّى استسلمَ لِنومٍ عميقٍ.. غيرَ أنّهُ كانتْ في انتظارِه مفاجأةٌ تقضُّ([4]) المضجعَ وتطرُدُ النّومَ؛ حيثُ لم تمضِ سوَى ساعةً -أو أقلَّ- على نومِهِ، حتّى أفزعَهُ عجِيجُ([5]) ريحِ عاصفةٍ، دفعَتْ دفّتي النّافذةِ مُحدِثةً ضجيجًا مُربكًا، ولكنْ مَا جعلَ الذّهولَ يبلغُ منْ أيمنَ حدَّه؛ فهوَ منظرُ النِّفاياتِ التي أخذَتْ تدخلُ متطايرةً من النّافذةِ، وتثِبُ إلى الغرفةِ مالئةً أرجاءَها بحركةٍ مُفزعةٍ، ومُحدِثةً صوتًا لا ترتاحُ لهُ الآذانُ. فتجمّدَ أيمنُ في مكانِه وقدْ تعاظمَتْه([6]) الدّهشةُ، وتملّكَه الخوفُ من مشهدِ تلكَ القُمامةُ، وهوَ إذْ ذاكَ يسمعُ صوتًا يخاطبُه لا يدركُ مصدرَه، وهوَ يقول:

«قدْ حانَ الأوانُ لتدفعَ الثّمنَ يا أيمنُ.. لقدْ تركتَني دونَ مأْوَى وألقيْتَ بِي في الخلاءِ وحيدةً، ولمْ يسُؤني ذلكَ، أمّا والآنَ وقدْ تكاثرْتُ وتضاعفَ عدَدي، فلا بدَّ لنَا من مكانٍ يأْوِينا.. ولمْ يقعْ اختِيَاري سِوى على غرفتِك، كضريبةٍ لما اقترفْتَ!»

ازدادَ هلعُ أيمنَ لـمّا طرقَتْ هذه الكلماتُ مسامِعَه، وأخذَ يبحثُ بِبصرِه عن الـمُتحدّثِ، ويـُمعِنُ النّظرَ بينَ تِلكَ النِّفاياتِ، التي ينبعِثُ منها الصّوتُ، وإذْ بورقةٍ تخرجُ من بينَ القمامةِ، وترتفعُ عاليًا ملفتةً إليها بصرَه، وأخذَتْ تضحكُ في سُخريةً، وتقولُ بصوتٍ مزعجٍ:

«هَدِّئْ من روعِكَ يا أيمنُ.. لستُ إلّا الورقةَ التي رميْتَها أمسِ، واتّسخَتْ بَها أرضُ الحدِيقَةِ.»

كادَتْ عيْنَيْ أيمنَ تخرُجانَ منْ فرْطِ الذّهولِ والتّعجُّبِ، وأطبقَ فمَهُ؛ فلمْ يَنْبِسْ بِبنتِ شَفَة([7])، وأخذَ يستجْمِعُ شتَاتَ نفسِه، ويَهدِّئُ من انفعالِه.. ثمَّ تنهّدَ، وقالَ بعدَ أنْ اجتهدَ في البحثِ عنَ الكلِماتِ:

«أعترفُ أنّي أخطأتُ؛ فأنَا أحبُّ النّظافةَ، وأتمنّى أنْ تعُمَّ كلَّ مكانٍ، بِالقَدْرِ الَّذي أمْقُتُ الوسَخَ وأنزعِجُ منهُ.. وقدْ تفتُرُ([8]) هِمَّتي -أحيانًا- ولا تَجدِ لي عزمًا؛ إذْ ليسَ بِيَدي حيلَةٌ، وجُلُّ مَنْ حولِي لا يأبَهُونَ بِرمْيِ الأوساخِ في كلِّ مكانٍ، حتّى غدَتْ شيئًا عاديًّا».

فقاطعَتْه ورقةُ النّفايةِ، وقدْ بدا علَى صوتِها الغضبُ:

«النّظافةُ مسؤوليةٌ مشتركةٌ، مُلقاةٌ على الجمِيعِ، مِن السُّخْفِ أنْ يتقاذَفَها البعضُ على البعضِ الآخرِ.. ثمَّ إنَّ تغييرَ هذَا الوضعِ الـمُزرِي إلى الأفضلِ، والتّحسُّنَ الذي ترجوهُ؛ إنّمَا تكونُ بدايتُه مِن عندِك.. ولوْ فقُهَ كلُّ شخصٍ هذَا المبدأَ، لما صارَ الوضعُ إلى مَا آلَ إليْه الآن.»

ثمّ استرسَلَتْ في كلامِها وقدْ امتلأَ غيظًا:

«ولا مفرَّ لكَ الآنَ منَ الخضوعِ لأمري، وغرفتُك من اليومِ هي غرفتُنا».

وإنّه لَمُرْتَبِكٌ، في حالٍ باعِثَةٍ على الشّفقةِ؛ إذْ بِصَوْتِ بُوقِ شاحنةِ نقْلِ القمامةِ توقظُهُ من نومِهِ، فيقفزُ من سريرِهِ، وقدْ غَمَرَتْهُ الفرحةُ بِنجاتِهِ من الكابوسِ الـمُزْعجِ، فَهرعَ مُسرعًا صوبَ الشّاحنةِ لِيُدركَها، ويُلقِي فيها ما جمعَ من نفايَاتِ المنزلِ.. فَأدركَها وألقَى النّفايَةَ وقد اِرتسمَتْ على مُحيّاهُ اِبتسامةٌ، فقالَ مُخاطِبًا الشّاحنَةَ:

«لمْ أتخيّلْ يومًا أن يُسعدَنِي مجيؤُكِ كلّ هذا القدرِ؛ فأنا مَدِينٌ لكِ بِإيقاظِي من ذلكَ الحلمِ المزعجِ».

ولم يَأْلُ([9]) أيمنُ جُهدًا منذُ ذلكَ اليومِ، بِإشاعَةِ النّظافَةِ في كلِّ مكانٍ، ولم يَسْتهِنْ بِأبسطِ تصرُّفٍ قدْ يُسَاهِمُ في التّغييرِ من مظهرِ البيئةِ من حولهِ إلى الأحسنِ.

وقدْ اِختارَ قصّتَهُ مع الورقَةِ، كَموضوعِ إنشاءٍ في حِصّةِ التّعبِيرِ، الذي كان المطلوبُ فيهِ أنْ يُورِدُوا أمثلةً وتطْبيقَاتٍ لِمبدأِ “تغييرُ النّفوسِ والسّلوكَاتِ.. هو أساسُ كلِّ تغييرٍ” الذي يَقضِي بِأنّهُ إذَا صَدُقَتْ نيّةُ كلِّ فردٍ في التّغييرِ، وبَدَأَ منْ نفسِهِ، فسيتغيّرُ معهُ العالمُ نتيجةً لذلكَ، وهذا هو سبيلُ النّهضَةِ والتّقدُّمِ.

بهذَا التّحْلِيلِ أنشأَ أيمنُ موضوعَهُ الَّذي نالَ به أحسنَ جوابٍ.

 

أسئلة حول القصة والمبدأ الذي تناولته

  • ما هيَ الفكرةُ الَّتي شجّعَتْ أيمنَ علَى رميِ النِّفايةِ علَى الأرضِ؟ وهلْ كانتْ فكرةً سليمةً؟ ولماذا؟
  • …………………………………………………………………………………….

…………………………………………………………………………………….

  • ما هيَ الفكرةُ المغايِرةُ والصَّحيحةُ؛ الَّتي مِن شأنِها أن تُثبِّت إرادتَه في التّمسُّك بمبدأ النَّظافةِ والحفاظِ على البِيئةِ؟
  • …………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..
  • الجميعُ مُدركٌ لأهمّيةِ النّظافةِ، وضرورتِها فِي الحفاظِ على البِيئةِ، فلماذَا نرَى الأوساخَ في الشَّوارعِ والحدائقِ؟ ما هيَ الحلُولُ في نظرِكَ؟ وما هو دورُكَ أنت فيهَا؟
  • …………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………
  • اُذكُر مثالاً آخرَ لظاهرةٍ سَلبِيَّةٍ وليدةِ تقاذُفِ المسؤوليَّةِ حِيالَهَا، ونتيجةُ عدَمِ الأخذِ بهذَا المبدَأ. ثمَّ تحدَّث عنْ مبادرَاتٍ فرديةٍ يمكِنُ أنْ تُساهمَ فِي التَّغييرِ.
  • ……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….

([1]) – يجوب: يقطعها سيرا.

([2]) – جال: طاف.

([3]) – شزر النّظر: النّظر الممتلئ غضبا.

([4]) – تقضّ المضجع: تجعله خشنا فلا يهنأ فيه النّوم.

([5]) – عجيج: اشتداد هبوب الريح.

([6]) – تعاظمته: عظُمت عليه

([7]) – ينبس ببنت شفة: لم تصدر عنه أدنى كلمة.

([8]) – تفتر: تسكن، تنقص.

([9]) – يأل جهدا: يدّخر جهدا.


رابطة ثقافة الطفل العربي
– 
دمصطفى عبدالفتاح رئيسا – سوريا
– 
الناقدة صفاء البيلي – مصر
– 
المدربة والكاتبة أمينة الرويمي – الجزائر
– 
الكاتبة والمترجمة أسماء عمارة – مصر
– 
التربوية الباحثة فاطمة الزعابي – سلطنة عمان

 621 total views,  2 views today

Hits: 55