ميمونة محمد البلوشي


تفشي فيروس كرونا أصبح تهديدا كبيرا للعالم، فهي جائحة هزت جميع البشر، ومضت أياما كانوا يشعلونها بفتيل العمل والمتعة وشغف العيش وممارسات يومية تجعل يومهم أكثر تشويقا وإثارة مليئا بالأحداث والخطط، واليوم أصبح هذا الوباء لا تقتصر ضرباته الصحة العالمية العامة وحسب بل دق ناقوس خطره ليضرب بالاقتصاد والتجارة ويتجاوزها حدودا إلى الصحة النفسية والاجتماعية، ومما لاشك فيه أن الهاجس الأكبر لجميع الدول هو كيفية حصر انتشار الفيروس كي لا يستوعب عددا أكبر ، ويتم ذلك عن طريق ما يسمى بالحجر ومنع التجول وما يترتب عليه من عدم الملامسة والمصافحة والبقاء كلا في منزله، وهذه كلها أسبابا تؤثر سلبا على الصحة النفسية والاستسلام للخوف والهلع، وهو ما يؤدي إلى ضعف الجهاز المناعي والذي يؤدي إلى سهولة وصول الفيروس لاختراق ذاك الجسد الضعيف المنهمك في خيالات المرض، وكي لا يكون الضغط النفسي ضريبة لتقليص المناعة لابد أن نركز على الأفكار الايجابية ومحاربة الملل والعزلة حتى تطفو الأفكار السلبية والضغوطات النفسية كفقاعة وتتلاشى بعيدا عن أجسادنا.

أغلب الناس في حيرة عن الكيفية التي يستطيعون فيها إمضاء يومهم دون أفكار سلبية تختلج عالمهم الداخلي، فاليوم أصبح طويلا فلا نوما يبدده ولا وجبات متكررة تنهيه ولا وسائل التواصل الاجتماعي تقضي عليه ،وهنا أنوه إلى تلك الفرصة التي جعلناها على رفوف حياتنا وفي هامش محيطنا ، الفرصة المتاحة للخروج من هذه الدوامة المملة والنفسية المرتبكة عبر شرفة واسعة ومساحة شاسعة، نطل من خلالها على وجه العالم ألا وهي القراءة، فالقراءة في ظل كرونا جسر واسع العبور لتخرج بك بين أزقة قريتك، تطوف بك بحار العالم وتنتقل من مكان لآخر دون قيود ووجس، القراءة وحدها من يجعلك تحلق  بعيدا حيث اللاشعور بالعجز والكآبة، تتنفس عبق الحياة بروح متجددة، تطل من نافذة غرفتك نهارا وتجول وسط الحشود ليلا دون الاكتراث لهذا الوباء ستعبر بها الحدود وتسافر إلى اللامكان وكل مكان، القراءة وحدها في هذا الوقت ستحقق لك المراد، ستجلس على شاطئ البحر مع أصدقائك، ستصافح الأهل والأحبة ، وتعانق بكبرياء الحرية وقبلات الشوق الطويلة جبين الأطفال، ستحلق بعيدا حيث اللانهاية، تطوف قلوب البشر وتسترق خواطرهم وتعيش اهتماماتهم، وستصعد مدارج العلم والعقلاء، لتتخلص حينها من تلك الظلال القاتمة والمخاوف التي تتهادى صورتها المخيفة عن الشبح كورونا في ذهنك، هو عالم حتما سيشعرك بالحميمة والتقاء الأرواح والتصاق الأجساد بحب وسعادة، لتزيح عنك أياما باتت حلما يتربع عرش الذاكرة، ستعود إلى الأسواق والشوارع، إلى الأفراح والأتراح، إلى المطاعم والمقاهي، وستشعر بروعة الأماكن وقيمة الوجود، ستتحرر من وهم الأمراض وحدود العزلة لتخرج بمكنون ذاتك وتكتشف نفسك من جديد وترسم ملامح أخرى ليومك.

وعن ذلك الجانب الاجتماعي الذي بات حلما يراودنا بين ليلة وضحاها فقد أثبتت الدراسات أن القراءة تساعد في تنمية المهارات الاجتماعية وطول العمر وإدارة المزاج، فإذا شعرنا بالاندماج حد الضياع في كتاب نقراه، سننتقل إلى السطور وبين أركان الكلمات حينها لن يتوقف الأمر على استيعاب محتوى الكتاب وحسب بل سنحلق بعيدا حيث نشعر بتلك الشخصيات وستتعلم أن تكون الشخصية التي تريد، وكما قال أستاذ علم النفس التطبيقي والتنمية البشرية في جامعة تورنتو؛ كيث أوتلي:” عندما تقرأ قصة .. تتخلى عن بعض عاداتك وأفكارك، يتشكل لديك تصور في أن تكون شخصا مختلفا بطريقة لن تتبناها في ظروف مختلفة” ونحن في صدد ظروف لابد من قهرها بالقراءة كي نصنع من ذواتنا أشخاصا أكثر حكمة وحنكة، وأكثر قوة وصلابة، وأكثر إيجابية وانشراحا لمواجهة كرونا وما يترتب عليه.

كما أن الدارسات في علم الأعصاب أثبتت أن القراءة جيدة لصحة الدماغ وتساعد على العيش أكثر، فالتفاعل مع الكلمات يحفز المنطقة المخصصة لتعلم اللغات في الدماغ، وتقلل من فرص الاضطراب المعرفية  من خلال إشراك وتفاعل الدماغ لتبقيه فعالا بما فيه الكفاية لمنع التدهور المعرفي  الذي يرتبط بمجموعة من الأمراض المسببة للوفاة كالزهايمر والخوف، كما انها تطور قدرات الدماغ الدفاعية ضد الأمراض أيضا وقد قال باحثون” إن أنشطة الأشخاص الذين يقرؤون ترتبط بشكل حياتهم التحفيزي (الإقبال على العيش) فيما بعد وتحميهم معرفيا في مراحل العمر المتقدمة” فالقراءة تلعب دورا وقائيا لتصدي للأمراض وتخفيض نسبة الوفاة المحتملة 20% لدى الأشخاص الذين يقضون أوقات طويلة في القراءة.

فالقراءة هي عامل مهم للاستقرار النفسي وتخفيف حدة القلق والتوتر وقد أصبحت القراءة تستخدم كعلاج لبعض الأمراض النفسية حيث يطلق على هذا العلاج ” الببليوثرابيا” وتعني العلاج بالقراءة، ففي أحيانا كثيرة وفي بعض الحلات لابد من مخاطبة عقل المريض وروحه بطريقه تجعله يستعيد توازنه وهدوءه وراحته من جديد وتحفيزه إيجابيا حتى يستعيد تلك القوة والشجاعة في مواجهة مشاكله، ومع تزايد انتشار كرونا ووجود العالم في محيط ضيق فأصبح الجميع بحاجة لعلاج نفسي مكثف ليستعيد ما تبقى فيه روح ويستطيع كل فرد معالجة نفسه من خلال القراءة، ليصل إلى تلك النشوة التي تعيد له روحه المنبثقة من إيجابية وشجاعة لتحدي مرضا يجوب العالم زاحفا ليصطاد القلوب قبل الأجساد.

القراءة نموذج مثالي في ظل الظروف الراهنة لتفادي الوقوع في الملل والضغوط النفسية، فبالقراءة نقضي وقتا ممتعا لنخرج من منظور العزلة إلى فضاء واسع رحب، ثم نخرج بنمط آخر من التفكير الأكثر اتزانا وسلوكا أكثر فعالية وحكمة وأفضل من تضارب تلك الأفكار السلبية، ثم نستطيع التغلب على المشكلات النفسية والاجتماعية والبدنية التي خلفها كرونا ونتعايش معها بسلام.

Hits: 200