ناصر أبوعون 
كاتب مصري مقيم بمسقط


مزامير الشتات:

ها أنت يا “كلكامش” تطلُّ من نافذة الشعر والعشق مأسورًا بشهوة التجديد، وطامحًا لفض بكارة القصيدة، تقترفُ غواية الشعر، لكنك المستثنى في “سوق عكاظ” ليس سواك يقف خارج أسوار النبوءات الكاذبة، معصُومًا قلبك، تتلو كل مساء لـ”دجلة” نزوات قوافيك، وطيش حروفك ونزق القافية حتى مطلع الفجر، وما زالت غواية الحكي تمارسك؛ بينما “دجلة” تلحس أحلامها المعجونة بالشيكولاتة في مناماتها، وتتسلق أكتافك على بساط سحري، وتقطع المسافة بين قلبك، وضحكتها “قبل أن يرتد إليك عقلك”، وتمارس تمارين الرحيل القسري بالوراثة، وما زلت تحكي وتروي، وتمسد شعرها بزيت الحكمة، وتصب خمرة “سيدوري” الشعرية في كأسها، وتقطر نبيذ “شامات” المعتَّق بالغواية، في فمها، وتشبك في ضفيرتها خياناتك الطفولية كل ليلة في أحضان الموسيقى، لتمارس طقس الولوج إلى باحة المعنى في سفر الشتات على “جنائز معلقة”، وتمر عبر “شمال مدار السرطان” أغنية قبل النوم، لتتحول إلى شمس تطل كل صباح من نافذة الجرح على “كواكب المجموعة الشخصية”، بينما أنت تتهيأ غاضبًا لامرأة العزيز في قميص “مترع بالغيوم”، آه يا صديقي.. اليوم خمر، و”غدا تخرج الحرب للنزهة”. لكنك على أعتاب قصيدتك بندقيتك في يمينك، وعلى صدرك درع من الموسيقى، و”كنانة سهام” من الشعر على خاصرة قوسك، مشدودة على جدائل من شعر دجلة تصلح لـ”اصطياد الحكمة من سيدوري”.

أيُّها الربيعي المعتق بالأصالة والنبالة والكبرياء.. لن ينسى التاريخ أنك ترفعت عن تسجيل اسمك في قائمة اللاجئين والنازحين وساكني الخيام المؤقتة.. وكيف ذاك و”دجلة” ليس لها مكان في طابور المعونات ولا كرسي بلاستيكي في مدارس مخيمات الإغاثة، وما زلت “مشجوجا بفأس” تنشد على ترانيم سعيد الصقلاوي “مزامير السومري” للراحلين والمنفيين، والنازحين والمغادرين، والمبعدين والتاركين، والمهاجرين والمهجرين، والمبعثرين والمعلقين، والعالقين على “بوابة فاطمة” على حدود فلسطين المحتلة، والعابرين على جدار بغداد، خلاصك في الشعر، لقد صرت “موشوما” بالحبة ومعجونا برغبة في الخلود.

“كلكامش” أنت لا تحلُم بأن تمنحك القصيدة جواز سفر، وتأشيرة دخول إلى “سماوات غريبة” لا تسمع فيها، غير نباح الناقلات العملاقة، تمرق البحار من العراق إلى الخليج، تعج بأسواق اللغات الغريبة في وطن الشعر؛ ولكن القصيدة لا تنسى لك أول توقيع على شفتيها ولا تمح من ذاكرتها شاعرا فض بكارتها، وناسكا صلى في محراب قداستها، وعاشقًا وقف على أبوابها؛ ليكتب كل يوم مفتتحًا جديدا للحياة، ويسكب شهوة الخلود المتجدد في رحم العبارة لتتخلق القصائد وتتناسل الأفكار نجوما وشموسًا تحط في حواصل الطير، فتمنحها رغبةً عارمة في الغناء.

لكنك يا “كلكامش” لم تكن خدنًا ولا نديمًا لطوابير الكتبة والمتشاعرين، ولن تكون يوما من “المصطفين الأخيار”؛ لأنك رفضت أن تكون مُؤدلجا وديماجوجيا، ومزقت قميص الإمارة ونزعت خاتمها المزيف، لأنك “لا تصالح”، ولا تمارس دور المهرج على أبواب المانحين، ألقيت عصا الشعر في ساحة النبوءات الكاذبة فسالت القصائد أوديةً وارتديت درع الموسيقى، والفكرة تحولت في يديك سيفا، وتدثرت بأبجدية الخلود، وأشعلت جمر الأسئلة في بردة الريح فرقصت نجوم السماء.

سِفر الخروج:

“كلكامش”.. لماذا تراودك “عشتار” عن نفسك؟ ربما الربيعي “قد شغفها شعرا”، أم أنك قرأت في عينيها رغبة الخلود، والشوق بالسكنى أعلى ضلعك الأعوج؟ لتخرج في عقبك طلبا لدم القصيدة في سفر “الخروج”؛ فكان المنفى “أحب إليك مما يدعونك إليه”، ليقض مضجعك الترحال، وتطبع ملامحك الشاشات الإلكترونية في مطارات الشتات!! آثار حبرك/ دمك.

“كلكامش”.. ها أنت كل صباح تقف خاشعا أمام المقبرة، تفتح هاتفك وترسم أنشودة الموت على أرصفة المدن، وفي الأزقة والحارات، تدون ملاحظات مقتضبة على هامش “سفر الخروج”، وتقرأ “موجز الأخطاء”، وقبل أن تغادر تقبل “أصابع فاطمة”؛ لتبقى قصائدك/ روحك تطوافةً وهائمةً وتعويذة حب في جيد النساء، وأجراس كنائس في صدور العرائس على أسرة البنات، وحيثما يممت وجهك تغني أغنية للجنود العائدين بلا نياشين والمدونين في قائمة لا تنتهي للقتل على الهوية، والمطعونين بخنجر الطائفية، والمسفوكين بفتاوى مكتوبة تحت عروش من الإسفنج في مدن الملح كتميمة عشق أبدي.

سفر التكوين:

“أيُّها العراقي، إنَّا نرى في النهار أن نذبحك، فانظر ماذا ترى؟”، إنك يا “كلكامش” لم ترَ ولن ترى إلا الخلود هدفا وغاية تسمو بطينتك فوق الآلام، وتقدم نفسك “روحًا وجسدًا” قُربانا على مذبح الوطن لتهب الخلود/ التاريخ (للعروبة).. ها أنت يا “كلكامش” تحل روحا بشرية في جسد (أبوللو) لتقاسمه طينة الشعر.. الآن صار ثلثك بشرا فانيا، وبقيتك شعرا خالدا يسيل لبنا سائغا للشاربين/ العاشقين على أعتاب سفر التكوين “إلحاقا بالموت السابق، وحدادا على ما تبقى”.

إصحاح أخير:

صديقي عبد الرزاق الربيعي: املأ كونك شعرا، ليعزف اليمام العراقي أنشودة الخلود/ المطر.. مطر الشعر؛ ماء الحياة وحياؤها في الفيافي والصحاري و”تحت سماء غريبة”، واصدح بالموسيقى وافتح ذراعيك للنوارس المهاجرة، ليس متاحًا لك الآن غير أن تعيد تصنيع عذاباتك “كوميديا للذهول”، وأن تبحث عن فردوسك المفقود على أبواب “نينوى”، وأن تسرد للبنات الصغيرات حكاية قبل النوم عن وطن يعيد إنتاج الأساطير بطولات، وأن الفرات صار شلالَ دم يروي الشقوق العطاش في حدائق بابل المعلقة، فتنبت القصائد على زنديه وساما ووشما أبديا، يرحل به جواز مرور إلى البلاد البعيدة. يمارس شيطان الشعر لبعض الوقت غواياته لصديق الطبيعة وعاشق البراري (أنكيدو)، وبنصف رغيف من شهوة الخلود الممزوج بسم الفناء ووفق قواعد لعبة القوة ومنطق الغابة يصارع “أنكيدو” (كلكامش/ عبد الرزاق الربيعي) الذي نجح بسلاح الكلمة، وزخات القصائد، ودانات الكلمات أن يزلزل عرش “الشيطان”، وأن يضم “أنكيدو” إلى قلبه ليبدأ رحلة البحث عن الوجود/ الخلود.

 816 total views,  2 views today

Hits: 44