د‭. ‬حسن‭ ‬أحمد‭ ‬جواد‭ ‬اللواتي
طبيب‭ ‬أخصائي‭ ‬صحة‭ ‬الطفل
‭ ‬قارئ‭ ‬بالعلوم‭ ‬الطبيعية ‬والفلسفة‭ ‬الإلهية،‭ ‬مترجم‭ ‬للغة‭ ‬العربية‭ ‬والإنجليزية


ما هو المكان؟ وما هو الزمان؟ سؤالان ترددا منذ القدم في أذهان الفلاسفة والعلماء واستغرق الأمر حوالي ألفي سنة حتى تتبلور مفاهيم الزمان والمكان الحالية لدينا على يد عمالقة في الفلسفة والعلم. هنا سنستعرض بعض المحطات التي كان لها تأثير كبير في وضع مفاهيمنا عن المكان والزمان.

المحطة الأولى كانت عند الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس (أرسطو اختصاراً)، ففي نظر أرسطو كان المكان هو امتداد الأشياء طولا وعرضا وارتفاعا وليس أكثر من ذلك، وكان الزمان هو مقياس لترتيب حدوث الأحداث، بعبارة أخرى لو لم تكن هناك أشياء لما كان هناك مكان، ولو لم تكن هناك تغيرات وأحداث لما كان هناك زمان. لو كان أمامك على طاولة ما كتاب وهاتف فهل ستقول أن أمامك شيئين يتوسطهما لا شيء؟ أم ستقول إن أمامك شيئين يتوسطهما شيء ثالث؟ في نظر أرسطو ليس هناك شيء يسمى بلا شيء (أليس هذا واضحا حتى من مجرد نطق العبارة؟ كيف يكون هناك “شيء” وهو أيضا “لا شيء”) إذن من الخطأ أن نقول أن أمامنا كتاب وهاتف وبينهما لا شيء، الخيار الآخر أن نقول أن هناك كتاب وهناك هاتف وبينهما شيء ثالث، ولكن ما هو الشيء الثالث؟ الإجابة التي قدمها أرسطو كانت الهواء، الهواء هو الشيء الوسيط بين الكتاب والهاتف، والمكان هو ببساطة امتداد الكتاب وامتداد الهاتف وامتداد الهواء طولا وعرضا وارتفاعا، وبدون الأشياء ليس هناك مكان فالمكان هو مجرد خاصية للأشياء ولا وجود خاص للمكان حسب أرسطو. نفس الأمر بالنسبة للزمان فهو مقياس للتغير في الأشياء، ومقياس لترتيب الأحداث المتتالية، بحيث أنك عندما تريد أن تحدد الزمان فلا بد أن تحدد عدد الأشياء التي سبقت السؤال عن الزمان كأن تقول الزمان الآن هو عدد معين من الأيام التي انقضت منذ ولادة الهلال أو عدد وحدات معينة نتفق عليها بعد شروق الشمس، أو أن الفيضان حدث بعد نزول المطر أو أن كسوف الشمس حدث قبل أزمة الجفاف مثلا، ولو لم تكن هناك تغيرات تحدث لما كان هناك معنى للزمان، وحتى لو أننا جعلنا المكان حولك مظلما معزولا من حيث الصوت والرؤية فإنك ستظل تحس بمرور الزمان من خلال تعاقب الأفكار والأحاسيس في ذهنك وبدنك، وبذلك فإن الزمان ليس شيئا ذا وجود خاص وإنما هو مجرد وصف من أوصاف بقية الأشياء الأخرى.

المحطة الثانية كانت عند إسحاق نيوتن الذي رأى أن هناك نوعين من المكان ونوعين من الزمان، فهناك مكان وزمان (ظاهري شائع نسبي) نشعر به ونقيس به امتداد الأشياء وتعاقب الأحداث وهناك زمان ومكان (حقيقي مطلق رياضي) ولا يمكننا أن نشعر به وإنما نستطيع فقط أن نحسبه ونستعمله رياضيا، وبعبارة أخرى فإن الزمان والمكان الحقيقي المطلق الرياضي عند نيوتن هو شيء خارجي واقعي ذا وجود خاص به حتى لو لم يكن هناك أي شيء بالخارج فسيظل هناك زمان مطلق ومكان مطلق، أو بعبارة ثالثة الزمان والمكان المطلقان هما الشيء الموجود خارجا عندما لا يكون هناك أي شيء خارجا، أو لنقل بعبارة رابعة أن المكان هو مثل صندوق فارغ بلا جدران أو أرضية أو سقف ويستطيع أن يحوي أشياء أخرى بداخله وأن الزمان كذلك ظرف من نوع آخر تسبح في داخله الأشياء وهذا الصندوق والظرف موجودان مع أو بدون بقية الأشياء التي تسبح فيهما.

لن أحتاج لكثير من التخمين لأقول أنك تؤيد نيوتن وتحس وتشعر أن كلامه منطقي ويندرج تحت عنوان الحس العام الشائع، ولكن هل هذا يكفي ليكون صحيحا؟ الأمر الذي لا نستطيع إنكاره هو أن معادلات نيوتن في الحركة اشتملت على عنصر الوقت (الزمان الرياضي المطلق) والمسافة (المكان الرياضي المطلق) وأن تلك المعادلات حققت نجاحا عمليا منقطع النظير منذ أيام نيوتن وحتى أيامنا هذه ولم تخضع لأية مراجعة لحوالي قرنين من “الزمن”، وهذا أمر يصعب تجاهله أو إهمال دلالته على أن مفهوم نيوتن عن الزمان والمكان صحيح، ولكن أحيانا يخرج لنا شخص من حيث لا نتوقع ويقدم لنا رؤية جديدة تستطيع التوفيق بين الرؤى القديمة وتضيف لها الكثير من الوضوح والتطور، هذا الشخص الجديد هو ألبرت آينشتاين.

المحطة الثالثة ليست بكاملها مع آينشتاين، فبالرغم من أن آينشتاين قدم لنا رؤية ثورية عبقرية للزمان والمكان إلا أن المسألة لم تأخذ صورتها النهائية إلا من خلال فيزياء الكم. المهم الآن هو أن آينشتاين دمج بين مزايا الزمان والمكان الأرسطي والزمان والمكان النيوتوني، فكانت النتيجة كالآتي: الزمان والمكان لهما وجود خاص ولكنه ليسا مستقلين عن بقية الأشياء والأحداث من حيث التأثر والتأثير، وليسا مطلقين أو ثابتين بالرغم من وجودهما حتى بدون وجود المادة، فالمكان والزمان عند آينشتاين مندمجان في نسيج واحد يسمى بالزمكان وهذا المصطلح (الزمكان) ليس فقط من باب اختصار كلمتين في كلمة واحدة، أو ابتكار مصطلح رنان ذي نكهة علمية، بل المقصود أن هناك كيان واحد له خصائص تشمل الزمان والمكان معا، المهم أن هذا الزمكان هو شيء مثل بقية الأشياء الأخرى التي نراها حولنا أو التي نكتشف وجودها عبر الوسائل المخبرية، وهذا الشيء -الزمكان- يتفاعل ويتأثر ببقية الأشياء التي توجد فيه وحوله فينحني وينثني ويتقوس ويتمدد وينكمش كما لو كان مادة مطاطية مرنة. هذا التصور الذي طرحه آينشتاين أيدته شواهد كثيرة من الرصد والملاحظة والتجربة، بل ابتنت على أساسه تقنيات وأجهزة نستعملها بشكل يومي.

ومع نجاح هذا التصور الذي طرحه آينشتاين في النسبية العامة فإنه يواجه بضعة عقبات في الانسجام مع نظريات أخرى أثبتت بدورها نجاحا منقطع النظير، لذا استمر البحث منذ أواسط القرن العشرين وحتى يومنا هذا عن إطار علمي يجمع نجاحات النسبية العامة وإنجازات نظرية الكم ويقدم لنا المفهوم الجديد للمكان والزمان أو الزمكان.

الفرضيتان الأشهر في هذا المجال هي فرضية الأوتار الفائقة والتي مرت بمراحل نظرية كثيرة على مدى الخمسين سنة الماضية وتسمى حاليا بنظرية إم (الحرف الإنجليزي M)، وفرضية جديدة تسمى بحلقة الجاذبية الكمية Loop Quantum Gravity، فأما نظرية الأوتار أو نظرية إم فإنها تواجه عقبة كبيرة في عدم توفر الدعم التجريبي لها ولا تزال في إطارها النظري، أما نظرية حلقة الجاذبية الكمية فهي لا تزال في مهدها ولم تكمل حتى إطارها النظري.

وفي “أثناء” ذلك ننتظر لعلنا نتعرف “يوما ما” على معنى الزمان والمكان بشكل أفضل.

 1,011 total views,  5 views today

Hits: 52