الكاتب مريم حمد

قاصة من فلسطين


في آخِرِ الْغابَةِ، بَعيدًا بَعيدًا هُناكَ، وَفي مَكانٍ مُعْتِمٍ وَهادِئٍ، نامَتْ بَيْضَةٌ وَبِداخِلِها نُقْطَةٌ. كانَتِ النُّقْطَةُ ساكِنَةً لا تَطيرُ،  وَلا تَحومُ، لا تَفْعَلُ شَيْئًا سِوى النَّوْمِ،  وَالْاسْتِرْسالِ في الْأحَلامِ .

 

وَفي قاعِ الْبِرْكَةِ الْمُظْلِمَةِ، كانَتْ هُناكَ بَيْضَةٌ أَيْضًا، وَبِداخِلِها نُقْطَةٌ. كانَتِ النُّقْطَةُ ساكِنَةً،  لا تَسْبَحُ،  وَلا تَعومُ، لاتَفْعَلُ شَيْئًا سِوى النَّوْمِ،  والْاسْتِرْسالِ في الْأحْلامِ.

 

عَمَّ الْهُدوءْ،  وَسادَ الظّلامُ؛ لا حَرَكَةَ، وَلا كَلامَ. أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ، وَغابَتْ،  وَجاءَ بَعْدَها الْقَمَرُ وَنامَ .

مَضَتْ أَيَّامُ الْأُسْبوعِ:  السَّبتُ، وَالْأحَدُ، وَالاثْنَيْنُ، وَالثَّلاثاءُ، وَالْأَرْبَعاءُ، وَالْخَميسُ، وَالْجُمُعَةُ.

وما زالَتْ الْغابَةُ ساكِنَةً، وَالْبُحَيْرَةُ هادِئَةً.

 

لكِنْ فَجْأَةً!، وَسْطَ الْهُدوءِ، سُمِعَ صَوْتٌ صَغيرٌ صَغيرٌ: “تشيكْ”…  “تشوكْ”. تَشَقَّقَتِ الْبَيْضَةُ الْأولى بِهدوءٍ.

يَبْدو أنَّ النُّقْطَةَ كانَتْ يَرْسوعَةً. فَقَسَتِ الْبَيْضَةُ، وَخَرَجَتْ، ثُمَّ مَشَتْ، وَزَحَفَتْ، ثُمَّ أَكَلَتْ، وَأَكَلَتْ حَتَّى انْتَفَخَتْ،  ثُمَّ عادَتْ، وَنامَتْ بَعْدَ أَنْ لَفَّتْ نَفْسَها بِخُيوطٍ.

 

بَعْدَ أَيَّامٍ خَرَجَتْ مِنَ الشَّرْنَقَةِ فَرَاشَةٌ، رَفْرَفَتْ بِجَناحَيْها؛ فَهَزَّتْ وَرَقَةَ الشَّجَرَةِ.

وَرَقَةُ الشَّجَرَةِ أَيْقَظَتِ النَّحْلَةَ، وَالنَّحْلَةُ أَيْقَظَتِ الطَّائِرَ الطَّنَّانَ؛ فَطارَ،  وَطارَ، وَطارَ، إِلى أَنْ وَصَلَ الْبُحَيْرَةَ.

اهْتَزَّ سَطْحُ الْماءِ؛  فَتَحَرَّكَتِ الْبَيْضَةُ الثَّانِيَةُ الَّتي كانَ بِداخِلِها نُقْطَةٌ أَيْضًا.

مالَتِ الْبَيْضَةُ: يَمينًا،  ثُمّ يَسارًا، وفجأة!، ” تشيكْ”… “تشوكْ”، أَنْشَقَّتِ الْبَيْضَةُ.

 

يَبْدو أَنَّ النُّقْطَةَ كانَتْ سَمَكَةً. فَقَسَتِ  الْبَيْضَةُ، وَخَرَجَتْ، ثُمَّ هَزَّتْ ذَيْلَها. سَبَحَتْ، وَعامَتْ، َسَبَحَتْ إِلى فَوْقٍ، ثُمَّ سَبَحَتْ إِلى تَحْتٍ؛  فَحَرَّكَتْ حَبَّاتِ الرَّمْلِ في قاعِ الْبُحَيْرَةِ.

كُلُّ الْمَخْلوقاتِ في الْكَوْنِ تَكونُ في الْأَصْلِ نُقْطَةً ساكِنَةً، وَهادِئَةً.

وَبَعْدَ الصَّمْتِ وَالسُّكونِ، تَنْمو وَتَكْبُرُ:

بَعْضُها يَسْبَحُ،

وَالْبَعْضُ يَزْحَفُ،

وَآخَرُ يَطيرُ،

وَآخَرُ يَمْشي، بَعْد َأَنْ كانَ كُلُّ شَيءٍ، نُقْطَةٌ تَنامُ في الظَّلامِ، وَتَستَرْسِلُ بالأَحلامِ.


رابطة ثقافة الطفل العربي
– د. مصطفى عبدالفتاح رئيسا – سوريا
– الناقدة صفاء البيلي – مصر
– المدربة والكاتبة أمينة الرويمي – الجزائر
– الكاتبة والمترجمة أسماء عمارة – مصر
– التربوية الباحثة فاطمة الزعابي – سلطنة عمان

 521 total views,  2 views today

Hits: 17