خالد بن خميس بن جمعة المويتي

إن الحديث عن المخطوط العماني حديث يحيي الهمم والعزائم للحفاظ عليه والاهتمام به، وهو شأن عالمي اقصد الحفاظ على المخطوطات عمومًا ، لما لهذه المخطوطات من دور بارز في حفظ إرث وتراث الأمم على مر العصور، وليس للمخطوط هوية وليس هو محصورًا بنوع خاص من العلوم بل يشمل كل ما خطته أيدي العلماء والمؤرخين على مختلف مشاربهم وتوجهاتهم.

أن سلطنة عمان ليست بعيدة عن مثل هذا الحرص على حفظ وصيانة وطباعة المخطوطات، وقد بارك ذلك الحرص جلالة السلطان الراحل قابوس بن سعيد وذلك من خلال إنشاء وزارة للتراث القومي والثقافة وهي تحمل الآن مسمى وزارة التراث والسياحة ، حيث تأسست وزارة التراث والثقافة بناءً على المرسوم السلطاني رقم 12/76، بتاريخ 10 ربيع الثاني 1396هـ، الموافق 10 إبريل 1976م، والذي قضى بإنشاء وزارة للتراث القومي، وفي 25 جمادى الثانية 1399هـ الموافق 22 مايو 1979م جرى نقل اختصاصات الثقافة من وزارة الإعلام والثقافة، إلى وزارة التراث القومي والثقافة، وفي الثاني من ذي الحجة سنة 1422هـ، الموافق 14 من فبراير سنة 2002م، صدر مرسوم سلطاني رقم 10/2002، ينص بتعديل مسمى الوزارة إلى “وزارة التراث والثقافة”، وفي 17 محرم 1426هـ الموافق 26 فبراير 2005م، صدر مرسوم سلطاني بتحديد اختصاصات وزارة التراث والثقافة واعتماد هيكلها التنظيمي الجديد ، حيث تهدف الوزارة الى العناية بالآثار والمتاحف والمباني التاريخية، وصيانتها وتوظيفها والاهتمام بجمع المحفوظات والوثائق، وحمايتها من التلف والضياع، باعتبارها جزءاً من مفردات التراث العُماني، وتعزيز دور المشاركة الوطنية في تنمية الثقافة العُمانية، والنهوض بالإنتاج الفكري المعاصر، وإقامة المعارض والمهرجانات الثقافية، المحلية والإقليمية والدولية، للمساهمة في التواصل الثقافي بين السلطنة ودول العالم، وإجراء الاتصالات مع الهيئات والمنظمات العربية والإقليمية والدولية، ذات الصلة بطبيعة عمل الوزارة.

تسعى الوزارة نحو التطوير والنماء في المجالين التراثي والثقافي، وتعزيز تنوعهما وثرائهما، لتكون وزارة التراث والثقافة من المؤسسات الرسمية الرائدة، التي تسعى للحفاظ على الموروث الحضاري لمختلف فئات المجتمع العماني، محليا وإقليميا ودوليا، والمساهمة في الحفاظ على الثروة الوطنية وتنميتها، وتعزيز الشعور بالفخر والانتماء والاعتزاز، بأهمية الأعمال الفنية المحلية الموسومة بالإجادة، ونتاجنا الثقافي الثري في مختلف فروع المعرفة، مما جعل السلطنة واجهة ثقافية متميزة، تتواصل مع ثقافات العالم الأخرى، عبر بناء جسور التلاحم والترابط في شتى أشكاله، ومنذ بدايات العمل في مجالي التراث والثقافة، وجهت الوزارة أهدافها للحفاظ على الهوية العمانية الأصيلة، وتماسك لحمتها وبنيتها، تلك الهوية التي أصبحت بصمة يعرف بها الإنسان العماني بامتياز.

أن من أبرز الجهود الرسمية في حفظ المخطوطات هو إنشاء هيئة خاصة تعنى بذلك تحت مسمى هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية أنشئت بموجب المرسوم السلطاني رقم 60/2007م وهي تتبع مجلس الوزراء وتتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي وتعنى بتنظيم وإدارة الوثائق والمحفوظات ، حيث تتولى الهيئة بصفة أساسية تطوير مجال الوثائق والمحفوظات والإشراف الفني على تنظيم الوثائق العامة الجارية منها والوسيطة بالجهات المعنية وجمع أرصدة ومجموعات المحفوظات وترتيبها وحفظها حماية للتراث الوطني العماني وجمع وحفظ الوثائق المتعلقة بالدولة في الخارج وتمكين المستفيدين من الاطلاع عليها.

تسعى الهيئة إلى إرساء نظام وثائقي مبني على أسس علمية يسهم في تنظيم إدارة الوثائق بالجهات الحكومية ويعمل على تطوير مجال الوثائق والنهوض به والعمل على حسن استغلال وتشجيع البحث العلمي والإبداع الفكري والفني، وبناء نظام عصري للوثائق في سائر الوحدات الحكومية الخاضعة لقانون الوثائق وحفظ الوثائق للذاكرة الوطنية وإبراز القيمة الثقافية والعلمية والتربوية.

لقد أهتم العمانيون من القدم بتدوين الكتب العلمية والدواوين الشعرية وذلك توثيقًا للحقب والعصور التي عاشوا فيها وإيمانًا منهم لأثر ذلك في ربط الحاضر بالماضي وتواصلًا للتدوين العلمي وربطًا للأحداث ، ومن هنا برز دور الأهالي في حفظ المخطوطات والسعي إلى تحقيقها وصيانتها وطباعتها  وليس أدل على ذلك العدد الكبير للمكتبات الأهلية في سلطنة عمان من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومعرض الوثائق والمخطوطات بولاية وادي المعاول هو أحد الدلالات الواضحة لهذا الاهتمام المجتمعي والأهلي ، وهو تحت مظلة مكتبة الرسالة العامة، ويقع المعرض في منطقة أفي بولاية وادي المعاول، وولاية وادي المعاول هي إحدى ولايات محافظة جنوب في الجزء الشمالي من سلطنة عمان، بها عدد من القلاع والحصون والأبراج التاريخية القديمة على رأسها  قلعة (حجرة الورود) التي تقع في بلدة (أفي) والتي اتخذتها الولاية شعارا لها.

بداية الفكرة

ما شاهده المؤسس والمشرف على معرض الوثائق والمخطوطات في أحد البرامج المتلفزة والتي تعنى بالثقافة والتراث حيث اقتصر البرنامج على ذكر أسماء القلاع والحصون وبعض الافلاج والعيون ولم يسلط الضوء على تراث الولاية العلمي وهو الأصل في حال الحديث عن التراث والثقافة ، فأخذ على عاتقه البحث والتقصي لإشهار الإرث الثقافي الحقيقي للولاية ، وقد وجد لدى بعض أبناء الولاية من كتب في ذلك إلا أن تلك الكتابة لم تكن موسعة وهي للمختصرات أقرب ، فأحب أن يكمل تلك الجهود لتظهر بشكل موسوعي وتشمل كل ما يتعلق بولاية وادي المعاول فيما يتعلق بالأعلام والقبائل والنتاج العلمي بالولاية ، ومناشدة الجميع بالتعاون ورفد المعرض بما لديهم من وثائق ومخطوطات.

التأسيس

تأسست اللبنة الأولى لمعرض الوثائق والمخطوطات بوادي المعاول  في عام 2006/2007 وكانت الغاية الأساسية منه حفظ وتوثيق كل ما يتعلق بعائلة حمد بن سيف بن حمد بن سليمان بن سالم بن خلف بن سعيد البلحسني الأفوي المعولي ، وبإشراف بدر بن سعود المعولي، أي أن أصل الفكرة أسري صرف ولكن أشار عليه شباب الولاية ومثقفوها أن توسع الفكرة لتشمل كافة الولاية وقد ابدوا استعدادهم لرفد المعرض بما لديهم من وثائق ومخطوطات.

أهداف المشروع 

يهدف هذا المعرض إلى التوثيق والكتابة عن تاريخ الولاية وأعلامها ومعالمها والتعرف على النتاج العلمي المتمثل في المخطوطات وجمعها والحفاظ عليها وترميمها وتسجيلها في الجهات ذات الاختصاص، وربط الحيل المعاصر بتراث الآباء والأجداد، والسعي لتصدر في كتاب مستقل ليسهل للباحثين الحصول عليها مع اتاحة الفرصة لهم لزيارة هذا المعرض في مقره ببلدة أفي ولاية وادي المعاول، مع إمكانية متابعة كل ما يتعلق بالمعرض من خلال حساب المشرف العام بموقع التواصل الاجتماعي تويتر .

الكتاب الذي يجري العمل عليه من المتأمل أن يكون في عدة أجزاء حيث يتناول الجزء الأول التعريف بالولاية وحدودها الإدارية وما يوجد بها من قلاع وحصون والأودية والسهول أي جغرافية الولاية وتقسيماتها الإدارية ، أما الجزء الثاني يتناول الأحداث التاريخية بالولاية اعتمادًا على ما كتب قديمًا وحديثًا والشواهد والآثار الحجرية والجوانب المشرقة في ذلك ، ويتناول الجزء الثالث أعلام ورموز ولاية وادي المعاول والذين كان لهم بصمة فاعلة في ريادة العلم والأدب من علماء وقضاه وساسة وشعراء وأدباء ، وفي الجزء الأخير سيخصص للمخطوطات والوثائق الموجودة في المعرض والحديث عنها من حيث صاحبها وناسخها ومكان النسخ بداية المخطوط ونهايته وحالة المخطوط من حيث سلامته وتأثره وكل التفاصيل اللازمة في هذا الجانب ، مع العلم توجد بعض البحوث المبسطة كبحث الإمام الخليلي والمعاول وبحث يتعلق بأفخاذ وبطون المعاول ، وبحث الإبحار في رسائل زنجبار وبه المراسلات التي كانت بين أبناء الولاية وأهليهم الذين هاجروا إلى زنجبار ، وبحث حول الأسر المعولية المنتشرة في السلطنة بين وادي المعول وبركاء وسمد الشأن وغيرها.

المعرض بدأ فعلًا في تخصيص أركان خاصة ببعض أعلام الولاية تضم هذه الأركان كل الوثائق المتعلق بهم من مراسلات وصكوك بحيث يكون هذا الركن مرجعًا مباشرة لهذا العلم ولسهولة مراجعة أي وثيقة يحصل عليها مستقبلًا فالعمل لم ينتهي والبحث لم يتوقف، ومن المتعارف عليه في سلطنة عمان وجود تجمع اسري للقبائل هذا يسهل معرفة الأعلام وامتداد اسرهم فيستمر التواصل معهم حول أي مخطوط أو وثيقة يمكن الحصول عليها، وكذلك التواصل مع أسر كتاب المخطوطات والصكوك من ذوي الخطوط المميزة حيث أنهم كان مقصد الأعلام ليكتبوا لهم.

يقوم المعرض بالتنسيق مع مكتبة الرسالة العامة بتقديم ندوات خاصة تهدف إلى التعريف بالمعرض وحث الشباب إلى المساهمة في هذا المشروع الذي سيخدم الولاية عمومًا، ويحفظ الأحداث والمجريات التي مرت بها الولاية ونشر العلوم المختلفة، وكان لهذه الندوات أثر طيب في تفاعل الشباب.

بداية المشروع

بدء القائم على المعرض بمخطوطات الأسرة ووثائقها من مراسلات والتي كانت بحوزة أبيه والسعي لنسخها وتصويرها وحفظها بالتغليف الحراري والذي يعتبر بدائيًا، ولكنها البداية التي لفتت أنظار المثقفين والمتعلمين من أبناء المنطقة، وسعيهم لرفد المعرض بما يستطيعون من وثائق ومحفوظات بل تشجيع الأسر إلى المساهمة في ذلك، مع القيام بزيارة المساجد القديمة وبعض بيوتات الطين والحصول على بعض النسخ من المصاحف والكتب.

الصعوبات والتحديات

أن من أبرز الصعوبات لدى الباحثين عمومًا في الإرث الثقافي والحضاري للشعوب يصدمون بتكتم معظم المواطنين وإحجامهم عن التعاون معهم بل يصل بهم الأمر إلى إنكار وجود أي وثائق أو مخطوطات وهي مشكلة أزلية عالمية ، لم يكن معرض الوثائق والمحفوظات بعيدًا عنها ، ويرجع هذا التحفظ إلى خوف أصحاب المخطوطات والوثائق من مصادرتها أو ضياعها  أو تلفها أثناء تنقلها بين يدي الباحثين ، وليتهم بذلوا الجهد في حفظها والعناية بها ، بل يتركونها في ما تركت فيه من مواد بدائية فتقوم الأرضة بإتلافها ، أو بعض القوارض أو حتى طول العهد يخفى معالم الوثيقة ويدمغ الحبر التي كتبت به فلا يستطيع أحد الاستفادة منها.

وإذ يشيد المعرض ويشكر المتعاونين معه من أهالي البلد والأسر ومبادرتهم إلى رفد المعرض ليس فقط بالوثائق والمحفوظات، بل حتى ببعض الكتب التي كتبت بما يعرف بالطريقة الحجرية وهي طريقة قديمة هي وسط بين المخطوط والمتداول حاليًا، مع اشتراط رجوع أصل المخطوطات إليهم.

رسالة المعرض للجميع أن يبادروا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إرث علمي واجتماعي من يد الضياع، وذلك من خلال الالتقاء بالشباب المثقف بالولاية وحثهم على سؤال أهاليهم عن وجود الوثائق وطمأنتهم برجوع الأصول إليهم، وكل هذا يعتبر من الجهود التي يشكر عليها الجميع.

فهرست المعرض

تم تجميع ما يقارب خمسة عشر خزانة من خزائن ولاية وادي المعاول ، منها ٢٥٠ مخطوطًا البعض منها نادر والبعض الآخر مخطوط أصلي بخط ناسخة ولا يزال بحالة جيدة ، وعدد ٥٠٠٠ آلف وثيقة أغلبها في البيوع وصكوك التمليك والوصايا والإقرارات ، وهذه الوثائق  بين أصل ومنسوخ ، ولم تفهرس عنوانات المعرض على الترتيب الهجائي وإنما بالترتيب الموضوعي كالقران الكريم وعلومه وعلوم الشريعة من عقيدة وفقه والسيرة ، ثم علوم اللغة العربية ثم الطب الشعبي والرقية الشرعية ثم الشذرات الأدبية والدواوين الشعرية ووثائق الأوقاف والأفلاج .

مخطوطات نادرة

يفخر المعرض بوجود بعض المخطوطات النادرة والتي هي في بعض الأحيان بخط يد مؤلفها كديوان الشيخ سيف بن ناصر المعولي في مجموع أدبي مع العلم أنه توجد نسخة أخرى في مكتبة التراث ولكن ليست بخط يد المؤلف ولا تحوي كل القصائد التي بهذا الديوان، أيضًا يوجد مخطوط يعنى بالطب والأعشاب الطبية والرقى الشرعية وما يميزه وجود قاموس عربي إنجليزي، كما توجد وثيقة منذ عهد النباهنة وهي من النوادر.

 993 total views,  17 views today

Hits: 107