السيِّد قصي الخباز


إنه الصباح الذي تبزغ فيه اشعه الشمس الدافئة لتعطي الأمل والحياة.

 إنه الصباح حيث أشاهد النحلات والفراشات بين الزهور بألوانها الزاهية التي تناسب ألوان الزهور التي تغرف منها رحيقها وتنقل لقاحها بأرجلها المخملية لزهره أخرى، أليس عجبا ان تكون أرجل النحلات والفراشات مخملية يلتصق بها لقاح الزهور؟ أو لعلها صدفة ولكن كم صدفة يمكن ان تتكرر في هذا العالم؟ لعلها الطبيعة والتكيف معها إذا الطبيعة عاقلة حكيمة ومدبرة تعطي الاشياء ما تحتاج وتمنع منها ما يجب امتناعه.

      برهان النظم من البراهين التي اشتهرت بين علماء المسلمين وبالخصوص المتكلمين منهم وربما أطلق عليه برهان (اتقان الصنع)[1] استنادا لما جاء في بعض الروايات الشريفة، ويسمى في الفلسفة الغربية برهان معرفه الغاية.

  ومفاده أنه يتحدث عن الانسجام أو الانتظام بين أجزاء او أنواع لتحقيق هدف معين أو غاية، كالمثال الذي جاء في مقدمة هذه المقالة إذا يعتمد البرهان على ركنين اساسيين هما (الانسجام والهدفية).

وبعيدا عن تاريخ هذا البرهان ومن أول من أوجد له صياغة هل هو افلاطون؟ أم سقراط؟ أم سيسرون؟ فان المهم فيه أنه يستعمل كدليل لإثبات وجود الخالق الحكيم الذي أعطى كل شيء قدرا، فكأنما كل ما في هذا الكون من أحجار وجمادات ومخلوقات حيه وأفلاك وأملاك تخبرك عن حكيم مدبرا أوجد هذا النظام.

 جاء في نهج البلاغة لأمير المؤمنين عليه السلام: ” وظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته وأعلام حكمته. فصار كل ما خلق حجة له ودليلا عليه، وإن كان خلقا صامتا فحجته بالتدبير ناطقة ودلالته على المبدع قائمة[2]

ولم تقتصر شهره هذا البرهان عند المسلمين فقط بل ظهرت لدى النخب الفكرية في الحضارة الغربي أمثال وليام بيلي (1743-1805) وفريدريك تينانت (1866-1957) بل ودافعوا عن هذا البرهان أشد دفاع حتى أن وليم شبه هذا العالم بالساعة وأن نظمه في هذا العالم شبيه بالنظم والترتيب بين اجزاء الساعة فإذا رأينا خلل في وظيفة معينة أو جزءا لا نعلم وظيفته في هذه الساعة لا يمكننا ان نتجاهل أن لهذه الساعة صانع.

 ولكن مهلا ايها القارئ الكريم لم يتم الفصل والنهاية، يبدو أن المفكر والفيلسوف الكبير ديفيد هيوم لا يروق له هذا الدفاع بعد أن تمت صياغة هذا البرهان بأكثر من صيغة حيث وجه هيوم نقده لهذا البرهان في صغراه وكبراه.

وبما أن هيوم أورد على البرهان عدة نقودات أستعرض لكم واحدا منها فقط على أمل أن أوفق لاستعراض باقي الاعتراضات في حلقات أخرى:

 وتقرير الإشكال على النحو التالي: ليس من الضروري أن يكون النظم والانسجام نتيجة تخطيط و تدبير مسبق بل قد يحصل بالتدريج و بالتجربة والخطأ وجاء بمثال السفينة التي صنعها أحمق عن طريق التقليد والتجربة والخطأ، وعليه ربما هناك عوالم عديدة انقرضت حتى وصلنا الى هذا العالم الذي جاء نتيجة التجارب للعوالم السابقة بل استعان أحد الكتاب الذين أعجبوا بكلام هيوم بفرضية داروين (1809-1882)التطورية حيث طرح داروين فرضية تطور وتكامل الكائنات الحية عن طريق تنازع البقاء و البقاء للأصلح من ابسط الخلايا الى اكثر الثدييات تعقيدا، وعليه فان النظام الحاكم لهذا الكون جاء صدفة وليس بتدبير وحكمة.[3]

وعليه إنه متى ما أثبتنا التدرج والتنازع للوصول لنتيجة أحكام العالم لم نكن بحاجة لإثبات وجود الحكيم المدبر لحكم العالم.

ولنا أن نتساءل هل كان هيوم حاضرا عندما كان الكون في أدواره التطورية لينقل لنا مشاهداته؟ أم هي مجرد افتراضات واوهام لا يمكنها أن تقف أمام قانون نؤمن به وجدانا، فإن مشاهداتنا اليومية للأفلاك والنبات والماء والسماء والمخلوقات وجداناً بينما فرضية هيوم حول وجود عوالم بادت وبقي الاصلح هو احتمال، وشتان بين اليقين والظن.

ثم لو سلمنا بالانتقال التدريجي والتطوري لحركة العالم فمن أين جاءت القابلية لتلقي الاصلح من غير الأصلح؟ هل جاءت من العالم نفسه؟ هنا يلزم تقدم الشيء على نفسه وهذا محال.

   بما أن هيوم أشكل على البرهان بأنه افترض سلفا أن القائلين بوجود النظم من الحكيم الخالق جاء دفعة واحدة وهو- أعني هيوم- يفترض التدرج للبقاء إذن يحق لنا أن نفترض أن الحكيم اختار النظام المتدرج للوصول لحكم العالم، أي أنه لما خلق الله هذا العالم خلقه وفق نظام تطوري تدريجي تكاملي حيث أعطى المخلوقات القابلية اللازمة للتكيف مع التغيير اللازم، وهذا يعضد البرهان ولا يسجل عليه.

 كما يمكننا أيضا التأمل في كلام داروين الذي يفترض تطور الأنواع، فنقول: أنه يوجد أجهزة متكاملة معقدة منذ وجودها في الانسان الاول كجهاز البصر مثلا أو الأجهزة العصبية وكثير من الأجهزة المعقدة.

فلا بد لنا من وضع الاحتمالات أو الافتراضات في ميزان القبول العقلي فإن هيوم نفسه لا يحتمل أن تنتج رسالة مفيدة أو صياغة فرضية من طفل أو مجموعة أطفال يكتبون عدة حروف عشوائية يتم تجميعها لتكون هذه الرسالة بل إن فلسفة هيوم لابد أن تكون لها صياغة يتولها شخص عاقل.

 هذا الاحتمال يقابله احتمال الصدفة فالعقل يضع هذه الاحتمالات في ميزان ليخرج بنتيجة

ولعل كل هذه الأدلة العميقة والصراعات الفكرية على مر الأزمنة إشارات لبرهان النظم الذي يدل على وجود الحكيم الذي جعل العقول تتلاقح أفكارها فتنتج العلم والمعرفة

والحمد لله رب العالمين


[1] الرواية عن الامام الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام أنه خطب في جامع الكوفة: (… ولا امتناع من قدرته عليها، كفى بإتقان الصنع لها آية، وبمركب الطبع عليها دلالة…)، التوحيد للشيخ الصدوق، ص71

[2] شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد،ج6، ص410

[3]  بتصرف، دروس في علم الكلام الجديد، د. حسن يوسفيان، ترجمة الشيخ أحمد العبيدان، دار الهدى للدراسات الحوزوية،2020م

Hits: 49