مقال سيد قصي الخباز


عندما تطرق أذاننا لفظة بوذا أو بوذي غالبا ما تتوجه أذهاننا نحو الديانة البوذية وتحضر صورة التمثال الضخم مغلق العينين في جلسة تأمل روحي،هذه هي الصورة النمطية.

دعونا نرحل لعمق التاريخ لنحاول التعرف على هذه الشخصية وفلسفتها، نعم هناك فلسفة قامت عليها هذه المدرسة كما سوف يمر علينا في تسلسل الموضوع.

البوذية: فلسفة وديانة آسيوية كبيرة، قامت على تعاليم مؤسسها «سيدهارتا غوتاما» وقامت بدور مركزي في الحياة الثقافية والاجتماعية والروحية في المشرق، وكان لها بعض الانتشار في العالم الغربي منذ بداية القرن العشرين. ويتلخص جوهر الفلسفة البوذية في إدراك شمولية الألم، واتباع الطريقة الصحيحة للتغلب عليه.

أما لقب بوذا، أي المشرق أو المتنور أو الحكيم، فقد أُطلق عليه بعد انعطاف حياته فيما بعد

كان أبوه سادهودانا حاكم إحدى المقاطعات الصغيرة الواقعة في شمال شرقي الهند، وينتمي هو وزوجه ماهامايا إلى قبيلة ساكيا. وقد نسجت الخرافات حول ولادة بوذا وسيرته. تقول إحداها[1] إن أمّه حلمت بفيل صغير أبيض يدخل أحشاءها فتنبأ لها النساك بولادة ملك أو كاهن. وسمي في اليوم الخامس لولادته سيدهارتا، وتعني لفظاً «الذي أدى رسالته». وقد حضر حفل التسمية عدد كبير من الكهنة الذين تنبؤوا بأنه سيكون ملكاً أو مرشداً، بسبب علامات أربع يراها فيما بعد.

حدثت نقطة الانعطاف الحاد في حياة بوذا عندما بلغ التاسعة والعشرين من عمره، حينما غادر القصر فرأى العلامات الأربع التي تحدث عنها الكهنة وهي: عجوز ومريض وجثة وراهب وديع حليق الرأس في ثوب أصفر. فأدرك أن العجز ألم والمرض ألم والموت ألم، أمور ثلاثة تحدث عند كل تقمص، فالتقمص ألم.. فما هو الحل؟

 

قرر سيدهارتا الرحيل بحثاً عن حل لمسألة الألم، فهجر زوجته وابنه ورحل تحت جنح الظلام، ووصل إلى حدود غابة، فترجّل عن فرسه وحلق شعره وتبادل ملابسه مع أحد الصيادين الذين لقيهم. وانطلق بعد ذلك في بحثه الكبير الذي قاده إلى التنور أو الإشراق. وقد اتبع في البدء منهج التقشف للوصول إلى مبتغاه، وحين أدرك عدم جدوى ذلك، اختار منهجاً وسطاً بعيداً عن الملذات وبعيداً عن تعذيب الذات.

 

وفي أثناء تأمله تحت شجرة تين، استعاد جميع حالات وجوده السابقة، وأدرك أن الألم مصاحب للوجود وأن الرغبة أو الشهوة هي سبب الألم، والقضاء عليها، قضاء عليه، عرف ذلك عن طريق إشراق النفس ورغب في نقل هذه الخبرة إلى الأخرين.

هناك خمس مفاهيم أساسية في الفلسفة البوذية:[2]

أولا: الحقائق الأربع

آ ـ إن وجود الكائن يسبب له ألماً يلازمه ملازمةً دائمة

ب ـ الألم غير متأصل، ولكنه ينشأ عن الرغبة في التملك والسرور والقوة والوجود المستمر

ج ـ لما كانت الرغبة هي منبع الألم فالقضاء عليها يقضي عليه

د ـ طريق القضاء على الرغبة: هو الطريق النبيل ذو الشعب الثماني، الذي يتكون من الفهم السليم والتفكير السليم والكلام السليم والسلوك السليم والمعاش السليم والجهاز السليم والوعي السليم والتأمل السليم.

إن سلوك الطريق النبيل يضع حداً للألم وينتهي إلى الراحة النهائية أي الإنطفاء أو النيرفانا.

ثانيا: النيرفانا Nirvana

وتعني الإنطفاء أو الفناء. فالمرء كالمصباح إذا ما انطفأ لا يذكي شعلته بنفسه. وهو الإنطفاء الذي يحدث عندما تستهلك جميع الأسباب التي تحدث اللهب. النيرفانا هي خاتمة الولادات، وهي هروب من دورة التقمصات، وهي مزيج من الفضيلة والحكمة وهما شرط ضروري للنيرفانا.

ثالثا: الكارما Karma

قانون السببية الشامل، أو ارتباط السبب بالنتيجة: لكل فعل نتيجة لا يمكن تجنبها، فالفعل الحسن يعطي ثمرة طيبة والفعل السيئ يعطي ثمرة سيئة، وسلوك الفرد يحدد شكل تقمصه التالي ويربط الوجود السابق بالوجود اللاحق، ويفرض على الفرد تناسخاً مستمراً في واحدة من خمس هيئات من الصيرورة: هيئة إله أو رجل أو حيوان أو شبح أو قاطن للجحيم، ولا ينجح في قطع هذا الاتصال والامتزاج بالمطلق إلا المتنوّر.

رابعا: اللا أنا

لم يربط بوذا الكارما بأنا ثابتة، كما فعل البراهمة[3]، تنتقل من تقمص إلى آخر، ولا بجسد مادي، بل بجسد لا يمكن إدراكه مؤلف من أجزاء تتبدد عند الموت، ثم لا تلبث أن تأتلف بتأثير الكارما، وتكوّن كائناً جديداً، ليس كالقديم، وليس مختلفاً عنه. لا يشبه مادة الشمعة، بل يشبه اللهب الذي يستمد غذاءه منها.

خامسا: استمرارية الحياة

وتتحقق على دورات متوالية من التقمصات، وتنتج كل دورة من سلسلة مؤلفة من اثني عشر عاملاً فعالاً، كل منها سبب لما بعده ونتيجة لما قبله. وهذه العوامل هي على الترتيب: الجهل بوحدة الوجود، والنشاط الإرادي، والوعي، وتَكَوُّن مجموعة الروح والجسد، والحواس، والانطباعات، والرغبة، والارتباط، والصيرورة، والتقمص، والشيخوخة، والموت. وبإيقاف فعل هذه العوامل يتوقف الألم ويكون ذلك بالتنوّر، وبالوصول إلى النيرفانا.

الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية

تميز البوذية نوعين من الحقيقة: حقيقة مطلقة، وحقيقة نسبية. ولا يمكن إدراك الحقيقة المطلقة، ومن ثمَّ لا يمكن شرحُها. لأن العقل المحدود لا يستطيع أن يدرك اللامحدود. إن إدراكنا الأول للمطلق هو المظهر الأول له. فالفضاء الواسع الرحب يبدو للناظر إليه ذاتاً مجردةً، وحقيقةً مطلقة، لا يمكن الإحاطة بها أو فهمها. كذلك الأمر في حركة الحياة، فهي مطلقة لا يمكن فهمها إلا عندما تتداعى جميع مظاهرها الخارجية، ويتحلل وَهْم المادة إلى عناصره الجوهرية. إن للمطلق مظاهر مطلقة في نظر الكائنات التي لها مظاهر متغيرة في أثناء دورات التقمص.


[1] الموسوعة العربية،الفلسفة وعلم الاجتماع و العقائد، ج5، ص486

[2]  بتصرف من كتاب (البوذية مقدمة قصيرة جدًّا)، داميان كيون، ترجمة صفية مختار، مؤسسسة هنداوي 2016م

[3]  براهما إله الخلق في الديانة الهندوسية

 1,383 total views,  11 views today

Hits: 152