السيد قصي الخباز


لما وجدت أن قصة الفلسفة ابتدأت بسقراط ثم أفلاطون وأرسطو مرورا بفلاسفة الكنيسة وعصر الاقطاع وعصر النهضة وعصر التنوير والعصر الحديث ركزت على فلاسفة الغرب، وكأن الشرق لا فلسفة فيه في حين أن فلاسفة الشرق حسب التواريخ الدونة أسبق كما سوف يتضح لك في هذه السلسة من الحلقات التي عقدت العزم على الكتابة فيها وسبر أغوار أدبياتها علها تضيف للقارئ شيئا مميزا.

سوف نبدأ في هذه السلسلة ب (كونفوشيوس)

وكونفوشيوس ويعني الأستاذ أو المعلم «كونغ فو»، وهو واحد من أكبر معلمي العالم القديم وفلاسفته، وأشهر حكماء عالم شرقي آسيا وخاصة الصين واليابان وكوريا وفيتنام، والمنظِّر السياسي الأول في امبراطوريات الصين القديمة، وصاحب أقوى تأثير في المجتمعات الآسيوية الشرقية منذ القرن الثاني ق.م حتى اليوم، وإليه تنسب المدرسة الكونفوشية، أولى المدارس الفكرية الصينية القديمة، وهي فلسفة ومذهب تربوي من أكبر المذاهب في العالم.

ولد كونفوشيوس عام 551 قبل الميلاد وقبل أن يولد سقراط ب 80 عام تقريبا حسب ما يذكر المؤرخون [1]

توفي والده وهو صغير ولعدم تمكنه من الإنفاق على تعليمه، انحصر طموحه في تعليم بسيط يكفل له الانتماء إلى حاشية أحد ولاة الأقاليم أو حكام الصين في محاولة لتطبيق أفكاره الإصلاحية في مجتمعه لكنه أخفق، فانصرف إلى العمل معلماً أو موظفاً ثانوياً، في الوقت الذي عانت فيه الصين انقسامَ ولاياتها وصراع بعضها مع بعض صراعاً أودى بكثير من المعايير الأخلاقية. لقد وجد كونفوشيوس أن التهاون في معالجة هذه الظواهر اللاأخلاقية يمكن أن يدمر مجتمع الصين بجميع مظاهره الحضارية الخاصة، ورأى أن خير طريقة لمعالجة هذا الوضع المتردي الذي انحدر إليه مجتمعه، هو إعادة تشكيل قيم الإنسان وصياغة فكره للوصول إلى مجتمع متماسك قادر على بناء حضارته من جديد، وذلك عن طريق استعادة معايير السلوك الموضوعية عن الفرد، إضافة إلى توسيع حدود المسؤولية عند المواطن والجماعة والحكومة في آن واحد.[2]

لقد دعا كونفوشيوس المجتمع الصيني من مواطنين وساسة إلى السعي من أجل تكوين (المواطن المحترم)، قائلاً: «عندما يكون المواطن محترماً فإن الوطن سيقدم وقتها الحاكم المحترم، وإذا أصبح الحكام محترمين، فإن سلوكهم سيكون دافعاً أقوى بمرات عديدة من العقوبات في توجيه المواطن، لأن نموذجهم هذا سيلهم المواطنين التزام أساليب الحياة الطيبة التي أساسها احترام الآباء كما الحكام إضافة إلى الصدق في العبادة»[3].

في ظني أن فترة الشيخوخة كانت الفترة الأخصب في حياة كونفوشيوس، إذ تنسب إليه فيها وضع خمس كتب قانونية حملت أسماء كتاب «القصائد»، وكتاب «الوثائق القانونية»، وكتاب «التحولات»، و«مذكرات حول الطقوس»، و«حوليات الربيع والخريف»، والكتاب الأخير أكثر الكتب التي يعزو المؤرخون كتابتها إلى لكونفوشيوس.

ولعل طول الفترة الزمية وعصرنا الحاضر عسرت علينا التعرف بدقة إلى الفلاسفة التي تأثر بهم وعد تلاميذه مسامحة في النشر فلم يتم تدوين سوى أتباعه الذين يعد الفيلسوف منشيوس (371-289 ق.م) أبرزهم حيث كان المعلم الثاني في المدرسة الكونفوشية.

وقد تضمنت تعاليمه إلى طلابه فلسفته المرتكزة على فكرة أن البشر يولدون بطيبة فطرية، ولهذا من الضروري أن يحافظ المجتمع على هذه الطيبة وتطويرها ما أمكن لتأكيد إنسانية البشر واستبعاد زلاتهم الشريرة، ودعا دائماً إلى استلهام الماضي لأنه منهل الخير والمثل العليا في الحياة.

ومن أبرز أتباع كونفوشيوس فيلسوف آخر يدعى هسون تزو (298 – 238ق.م) وهو المعلم الثالث في المدرسة، كانت ترتكز تعاليمه على أن طيبة البشر تكتسب اكتساباً من ممارسة شؤون الحياة، وهي بهذا تكون أقوى وأوقع في النفس البشرية لأنها تكون نابعة من تجربة، وتتأكد هذه الطيبة بالتعليم الصالح ورعاية المجتمع العادلة.

وكما تجد أن بين منشيوس وهسون جهة اشتراك وهي طيبة البشر تجد جهة افتراق في منشأ هذه الطيبة حيث يجهل الأول منشأها الفطرة يرجع الثاني المنشأ إلى الاكتساب بالممارسة.

لقد سرت الكونفوشية في نفوس الصينين وتطورت حتى العام 176ق.م إلى أن تغلغلت البوذية في العقول وهيمنت على الشعب الصيني قرابة 800 عام حتى اعتقد البعض أن الكونفوشية ولت إلى غير رجعة.

في العام 960م تولت أسرة سونغ مفاصل الدولة وبثت من جديد تعاليم المدرسة الكونفشية مع ما طرئ عليها من تحديث حيث سميت بالكونفوشية المحدثة وامتد أثر الكونفوشية حتى القرن السابع عشر، ومثّلها وانغ فوتشيه (1619 – 1692م).

قد يتبادر لذهن القارئ سؤال مفاده ما هي نظرة كونفوشيوس للدين؟

أقول بكل يسر: اهتم كونفوشيوس بالأخلاق، وهي الأمر الأساسي الذي تدعو إليه الكونفوشيوسية، ومحور الفلسفة وأساس الدين، وهي تسعى إليه بتربية الوازع الداخلي لدى الفرد ليشعر بالانسجام الذي يسيطر على حياته النفسية مما يخضعها للقوانين الاجتماعية بشكل تلقائي.

وقد قسم الأخلاق في كتابه (الحوار)[4] إلى قسمين:

  1. أخلاق المواطن ويمكن إجمالها عبر المظاهر التالية:

  • طاعة الوالد والخضوع له.
  • طاعة الأخ الأصغر لأخيه الأكبر.
  • طاعة الحاكم والانقياد إليه.
  • إخلاص الصديق لأصدقائه.
  • عدم جرح الآخرين بالكلام أثناء محادثتهم.
  • أن تكون الأقوال على قدر الأفعال، وكراهية ظهور الشخص بمظهر لا يتفق مع مركزه وحاله.
  • البعد عن المحسوبية في الوساطة أو المحاباة.
  1. أخلاق الحاكم ويمكن إجمالها عبر المظاهر التالية:

  • احترام الأفراد الجديرين باحترامه.
  • التودّد إلى من تربطهم صلة قرابة وقيامه بالتزاماته حيالهم.
  • معاملة وزرائه وموظفيه بالحسنى.
  • اهتمامه بالصالح العام، مع تشجيعه للفنون النافعة والنهوض بها.
  • العطف على رعايا الدول الأخرى المقيمين في دولته.
  • تحقيق الرفاهية لأمراء الإمبراطورية ولعامة أفرادها.

على أن الفلسفة التي سادت نحو ألفي سنة في ثقافة المجتمع الصيني، ما لبثت أن نزلت عن هذه السيادة لعدد من الأسباب أولها: بداية احتكاك الصين بالحضارة الغربية (منتصف القرن التاسع عشر) وثانيها: خسارتها الدعم السياسي بسقوط أسرة تشينغ (1911م) وبداية العصر الجمهوري، وثالثها: ظهور الأفكار الاشتراكية التي اتهمت الكونفوشية بتبجيل الماضي والتمسك بأخلاقياته التي أودت بقوة الصين على حساب الحتمية التاريخية للفكرة الاشتراكية. على أن قدسية الفكر الكونفوشي في المجتمع الصيني تمكنت من النفوذ حتى إلى مبادئ الماركسية الصينية وأكسبتها طابعها الخاص، وهو أمر دفع الحكومة الاشتراكية في الصين سنة 1977 إلى تخفيف وطأتها عن أتباع هذه الفلسفة، مما أدى إلى استعادة الكونفوشية تدريجياً بعضاً من بريقها القديم.

ومن يدري لعل التاريخ يعيد نفسه فتظهر كونفوشيه محدثة ثانية في قادم الأيام


[1] الموسوعة العربية، ج16، ص41
[2] كريل، هـ. ج.، الفكر الصيني، من كونفوشيوس إلى ماوتسي تونغ، ترجمة عبد الحميد سليم
[3] الموسوعة العربية، ج16، ص41
[4] كتاب الحوار لكونفوشيوس، نقله إلى اللغة العربية محمد مكين، تقديم ومراجعة وتنقيح عبد العزيز حمدي عبد العزيز، مكتبة الأنجلو المصرية 2018

 866 total views,  2 views today

Hits: 119