مُحمد حسين بن مُوسى اللواتي


نحن عندما نشاهد عالم الواقع الخارجي بنظرة عامة ومطلقة، يتكون لدينا عبر هذه المشاهدة علما يقينيا لا يقبل أي نوع من الشك والتردد على الإطلاق، بوجود وثبوت واقعيته الخارجية.

وبعبارة أخرى: ينشأ لدينا علم قطعي بوجود وثبوت “الواقعية الخارجية المُطلقة” لعالم الوجود (أي: مُطلق الظرف الوجودي للعالم الخارجي)[2]؛ وذلك العلم يكون بمستوى “الضرورة والوجوب” وليس بنحو الاحتمال والإمكان[3]؛ وأن وجوده وثبوته ليس عبارة عن أمر إحتمالي وإفتراضي، بل هو أمر قطعي وحقيقي، وأن هذا الأمر قد إذعنت وأجمعت كافة الأذهان البشرية على التصديق بها، وعلى نحو البداهة.[4]

في حين، عندما نشاهد العالم الخارجي بنظرة جزئية ومحدودة؛ بحيث تكون مشاهدتنا ناظرة بصورة خاصة إلى موجوداته المحدودة، والتي تملأ فضاء وظرف الواقعية الخارجية المطلقة فسوف نرى أنَّ كل واحدة من هذه الكائنات المحدودة، تقبل العدم والزوال، وتتوجه نحو الفناء والتلاشي، عاجلا أم آجلا، خلال دورة وجودها في عالم الواقع الخارجي.

عندها، ستتضح لنا حقيقة وماهية هذه الواقعيات المحدودة، وسنعلم يقينا أنه ليست أية واحدة منها هي نفس الحقيقة والواقعية الخارجية المطلقة، والتي قد سبق وثبت لنا يقينا استحالة قبول ذاتها وحقيقتها لأي نوع من أنواع العدم والزوال مُطلقا، وأنَّ علمَنا بوجودها وثبوتها هو على مستوى “الضرورة والوجوب” المنطقي، وليس على نحو الاحتمال والإمكان.

ولكن، ما هو الأمر الذي يجعل من علمنا لهذه القضية (وجود وثبوت الواقعية الخارجية المطلقة لعالم الوجود الخارجي) عِلما يقينيا، وعلى مستوى مسألة “الضرورة والوجوب” المنطقية، وبمعنى آخر يجعل منها مسألة بديهية؟[5]

الإجابة عن هذا التساؤل هي: لأن افتراض عدم وجود وثبوت هذه القضية، يلزم منه منطقيا -بالملازمة العقلية- تحقق نقيض هذه القضية، والتي هي عبارة عن “عدم وجود وثبوت الواقعية الخارجية المطلقة”، ولأنَّ تحقق هذا النقيض يعدو أمرًا باطلا ومن المستحيل تحقُّقه بالبديهية، وبمستوى “الضرورة والوجوب” كما ثبت لنا. وعليه، وفي المقابل يعدو تحقق وثبوت هذه القضية أمرا ثابتا ولازما بالبديهية، وبمستوى “الضرورة والوجوب” أيضا.

بمعنى: كما أنَّ ثبوت هذه القضية يعتبر أمرا بديهيا وضروريا بالنسبة لنا، فإنه في المقابل نفي نقيضها يعتبر أمرا بديهيا وضروريا وبنفس الدرجة بالنسبة لنا أيضا (لأنهما قضيتان متناقضتان يستحيل أن تَثبُتا معا مطلقا، كما يستحيل أن تُنفا معا مطلقا أيضا، فلا بد لأحد الطرفين من الثبوت ولآخر من النفي).

ولأن نتيجة قضيتنا هي عبارة عن “عدم تحقق العدم المطلق”؛ بمعنى: إثبات وجود وثبوت الواقعية الخارجية المطلقة، بينما نتيجة نقضيتها هي “تحقق العدم المطلق”، وهو بمعنى نفي هذه الواقعية، وبما أنَّ النتيجة الأولى قد ثبت لنا بديهيتها، فلا بد لنا من نفي نتيجة الثانية بالبديهية العقلية -بالملازمة العقلية- أيضا.

وجوهر هذه المسألة قائم على أن “الواقعية الخارجية المطلقة” هي الواقعية الوحيدة من بين جميع الواقعيات الأخرى، التي تمثل وتجسد “أصل واقعية الوجود” فحسب، وفرض نفي لمثل هذه الواقعية يعتبر نفيًّا لأصل الوجود والتحقق مطلقا، وبالنتيجة نفيًّا لأي نوع من أنواع الوجود الموجود بشكل مطلق. وفي المقابل، وبالملازمة العقلية إثبات للعدم المطلق واللاوجود واللاموجود، بينما فرض نفي لأي من الواقعيات الأخرى غيرها ومهما كانت، لا يلزم منه -يساوي- تحقق التناقض)، تحقق العدم المطلق (لأنها لا تمثل أصل واقعية الوجود وبكل حيثياتها وخصوصياتها، بل هي واقعيات ليس لها وجود وثبوت إلا في ظل وفضاء “أصل واقعية الوجود” ليس إلا.

وعليه؛ فهي واقعية يستحيل أن يصدق في حقها مصداق العدم “بالذات” (بمعنى يستحيل ذلك في حقها من دون الأخذ في عين الاعتبار لأي حيثية أو خاصية معينة في صدق مصداق العدم عليها)؛ لأن عدمها يستدعي ويوجب تحقُّق مصداق التناقض المستحيل. كما أنه يستحيل صدق مصداق هذه الواقعية على أي من الواقعيات المحدودة مطلقا أيضا.

وبعد، فإن ذوات والواقعيات المحدودة لجميع موجودات العالم والكون (والتي يحتويها مطلق الظرف الوجودي للعالم الواقع الخارجي) ليست إلا عبارة عن ذوات محتاجة وفقيرة في نفسها، متَّكِئة ومشروطة في وجودها وقيامها -استقلالها- على واقعية أخرى غيرها، والتي هي عبارة عن “أصل واقعية الوجود”، التي لولاها لما كانت هذه الواقعيات المحدودة تتمتع بالوجود أو البقاء.

وباختصار.. فمن حيث أنها واقعيات وموجودات محدودة، فإن محدودية وجودها هذه تجعل منها ذوات فقيرة “محتاجة” في كافة حيثيات وشؤون وجودها، إلى “أصل واقعية الوجود” والذات الغنية المطلقة، غير المحتاجة لأي واقعية أخرى غيرها مطلقا، في جميع حيثيات وخصوصيات وجودها.

أما ما هو جذر هذه “المحدوية الوجودية” للموجودات؛ فذلك مرجعه إلى مسألة “المعلولية”؛ بمعنى لأنها ذوات ووجودات مخلوقة ومعلولة، فإن رتبتها ومرتبتها الوجودية (في سلم وسلسلة وجود الموجودات) تأتي بعد المرتبة الوجودية لوجود الخالق والعلة الأولى، والتي هي مصدر وجودها، وبذلك تصبح هي “معلولة”، وهو “علة” لها.

وعليه، فهذا التأخر في رتبتها الوجودية عن الرتبة الوجودية لعلتها “أصل واقعية الوجود” يُعتبر السبب الحقيقي والأصلي في معلوليتها، وما يترتب عليها من “المحدودية” في حقيقة ذواتها، هذه المحدودية التي تكمن فيها ماهية وحقيقة “الاحتياج” في وجوداتها؛ بحيث تجعل منها واقعيات ووجودات محتاجة، ذواتها مشروطة ومتعلقة ومتكئة في وجودها وبقائها على هذه الواقعية، وتصبح بدونها بلا وجود ولا قيام أصلا.

أما بالنسبة لذات “أصل واقعية الوجود”؛ فهي عبارة عن ذات غير محتاجة وغنية في نفسها، غير متعلقة ولا مشروطة في وجودها وقيامها -استقلالها- على أية واقعية أخرى غيرها مطلقا، ووجودها واستقلالها من ذاتها وبذاتها؛ بمعنى أنَّ كل ذلك يعتبر “ذاتي” لها.

فهي ذاتٌ، حقيقة وجودها عبارة عن وجود مطلق لا متناهي وكامل وغني، وهذا الإطلاق والكمال والغنى الوجودي يجعل من ذاتها ذاتا موجودة وقائمة وثابتة “بالذات” وبشكل مطلق، ومن دون الأخذ بعين الاعتبار لأي قيد من القيود، أو لأي تقدير من التقديرات الوجودية في حقها، لتكون سببًا وعِلَّة في استحقاقها لهذا الوجود الإطلاقي اللامتناهي.

وهكذا.. فـ”أصل واقعية الوجود” واقعية مطلقة الوجود، أي وجودها وتحققها غير مقيد بأي قيد مهما كان وافترض، وغير مشروط بأي شرط مهما كان وافترض؛ فوجودها وتحققها ذاتي لها وغير متوقف على أي شيء مطلقا. وبمعنى آخر، فإنَّ هذا الإطلاق والكمال الوجودي يجعل منها ذات “غير محتاجة” في كافة شؤون وجودها إلى واقعية ووجود آخر غيرها.

وبناءً على ما مَر، يُمكننا أن نعلم السبب الذي يجعل من “أصل واقعية الوجود” مؤهلة للتربع على عرش الهرم الوجودي، وتحتل الرُّتبة الأولى في سلم وسلسلة الموجودات، وتكون “واجبة الوجود” و”العلة الأولى”[6]؛ حيث سبب ذلك هو خلو حقيقة ذاتها وواقعية وجودها من أي نوع من أنواع “الحاجة والاحتياج” للغير على الإطلاق؛ لأنَّ وجودها الإطلاقي والكامل يُغنيها ذاتيا من أن تكون معلولة -محتاجة- لأية علة خارجية أخرى غيرها، مهما كانت وبشكل مطلق.

“ليس في الدار غيره ديار” كما يُقال في المثل، بمعنى ليس هنالك أي وجود أو موجود آخر بإزاء هذه الواقعية من حيث الإطلاق والكمال الوجوديين؛ حتى يكون مُؤهلا لأن يُصبح عِلة لها، ويمدها بأي نوع من أنواع الوجود، وبأي شكل من الأشكال، وبأي مستوى من المستويات؛ لأنَّ كل ما عداها من الموجودات؛ فهي نابعة وفائضة منها وراجعة إليها.

ووفق ما مرَّ من حديث، لدينا نوعان من الوجود والواقعية:

أحدهما: الواقعية التي تُمثل مِصدَاقا “للفقر الوجودي”[7]، وهي عبارة عن جميع الواقعيات المحدودة التي يحتويها العالم والكون، والتي هُويتها ليست سوى ذوات محتاجة -ناقصة في حقيقة وجودها- وفقيرة في نفسها، متكئة ومشروطة في وجودها واستقلالها على واقعية أخرى غيرها، وجودها وثبوتها مؤقت وزائل، آيلة إلى الفناء والاضمحلال، وأن محدوديتها الوجودية هي التي تعتبر منشأ وسر فقرها وحاجتها للغير في إعطائها الوجود والثبوت والاستقلال.

والنوع الثاني: واقعية تُمثل مصداقا “للغنى الوجودي” وهي عبارة عن الواقعية الخارجية المطلقة (مطلق الظرف الوجودي للعالم الواقع الخارجي) أو ما عبرنا عنه “بأصل واقعية الوجود”، والتي هُويتها عبارة عن ذات غير محتاجة -كاملة في حقيقة وجودها- غنية في نفسها، ووجودها واستقلالها غير متكئة ومشروطة على أية واقعية أخرى غيرها، ووجودها وثبوتها دائم وأزلي، وأن إطلاقها الوجودي هو الذي يعدو منشأ وجوهر غناها وعدم حاجتها للغير في حصولها على الوجود والثبوت والاستقلال.

وعليه.. فقد تحصل من كل ما مر، أنه توجد هنالك من بين جميع الواقعيات الموجودة في عالم الواقع الخارجي، واقعية ما وراء جميع هذه الواقعيات المحدودة للموجودات، بحيث تنتهي إليها جميع حلقات “السلسلة الوجودية” لهذه الواقعيات، وهي عبارة عن تلك الواقعية التي سميناها “بأصل واقعية الوجود”.

والفلاسفة المسلمون يُطلقون على “أصل واقعية الوجود” تسمية “واجب الوجود بالذات وللذات” أو “الله” سبحانه وتعالى، كما يطلقون على جميع الواقعيات والموجودات المحدودة الأخرى “بواجبة الوجود بالغير” أو “المخلوقات”.

وواقعية الموجودات، وإن كانت هي واقعيات وجودية “بذاتها” في حقيقة الأمر، إلا لأن تمام واقعية وجودها هذه قائمة “بالغير”؛ لذا فهي لا تتمتع بصفة وحيثية “للذات”، والله تعالى هو الواقعية والموجود الوحيد الذي يتمتع بهاتين الصفتين “بذاته ولذاته” معا.

حيث الأولى منهما “بذاته” تشير إلى أن هوية وحقيقة الموجود المتصف بها، هي عبارة عن هوية وحقيقة وجودية فحسب، بمعنى أن ذاتها عبارة عن موجود حقيقي، حيث أن ذاتها ووجودها عبارة عن أمر حقيقي وأصيل، وليس أمر وهميٌ وإعتباريٌ.

وتشير الثانية منهما “لذاته” إلى أن هوية وحقيقة الموجود المتصف بها، هي عبارة عن هوية حقيقة قائمة ومستقلة لذاتها فحسب، بمعنى أن ذاتها عبارة عن “ذات غير معللة” (علة بنفسها وليست معلولة لأية علة أخرى غيرها) حيث أن موجودية وقيام وإستقلال ذاتها ليس هو بفضل أي موجود وواقعية أخرى غيرها على الإطلاق، بل كل ذلك يعتبر ذاتي لها وبنفسها.

وعليه، فملاك ومعيار كونه تعالى “واجب الوجود بذاته ولذاته” ووجوده ضروري وعدمه ممتنع، هو لأن حقيقة ذاته تعالى هي عبارة عن صرف الوجود أي أن موجوديته هي عين ذاته من جهة، ومن جهة ثانية لأن ذاته تعالى غير معللة (قيامها وإستقلالها هي عين ذاته).

فالموجود إذا ما كانت هُويته “موجود بذاته ولذاته”؛ فمثل هذا الموجود لا يحتاج في حصوله على مصداق الموجودية من أي موجود آخر على الإطلاق، لا في حقيقة وجود ذاته ولا في حقيقة استقلاله؛ لأن مصداق “الموجودية المطلقة” ثابت له بشكل مطلق، ومن دون أن ينظم إليه أي شرط وقيد يؤهله في حصوله على هذا المصداق، وفي المقابل لا يمكن أن يسلب منه هذا المصداق أيضا، تحت أي شرط من الشروط وتقدير من التقديرات، وبعبارة أخرى فإنه لا يمكن أن يتبدل ويتغير مصداق وجوده وموجوديته إلى مصداق العدم والزوال مطلقا.

وبعد، فقد رأينا كيف أن وجود “واجب الوجود بذاته ولذاته”، أو أصل واقعية الوجود أصبحت تُبرر وتُعلل وجود وقيام كل ما عداها من الواقعيات الوجودية المحدودة، والمسماة “بواجبة الوجود بالغير” أو “ممكنة الوجود بالذات”[8].

تجسيد المعقول بالمحسوس
ولتقريب نوعية العلاقة الموجودة بين مصدر الوجود “الله تعالى” وبين موجوداته -مخلوقاته- للذهن، سنذكُر مثالين اثنين؛ حيث يمكننا من خلالهما تصور معنى هذه العلاقة بنحو من الأنحاء.

أولا: البحر وموجوداته.. لنعتبر البحر عبارة عن “أصل واقعية الوجود” وجميع الكائنات الحية الموجودة فيه بمثابة “الواقعيات الوجودية المحدودة” للموجودات.

وعليه؛ فالكائنات التي توجد وتعيش في البحر، وإن كانت هي عبارة عن واقعيات ووجودات متحققة بالفعل، غير أن وجودها وبقائها متكئ ومتوقف على الظرف المطلق للواقعية الثابتة الخارجية للبحر، ولولا هذه الواقعية المطلقة لظرف البحر الحاوية لها (الحاوية لحقيقة ذواتها ووجوداتها) والتي تسبح في رحابها، لما شمَّت هذه الكائنات البحرية رائحة الوجود والبقاء أبدا.

ومن البديهي بمكان أنَّه لم يكن بإمكاننا مشاهدة هذه الكائنات البحرية، والعلم اليقيني بوجودها وتحققها أبدا، إلا بسبب وجودها في -ومن خلال- هذا الظرف الوجودي المطلق الثابت للبحر فحسب، وليس في أي ظرف آخر مطلقا.

وعليه؛ فلولا وجود وثبوت حقيقة “واقعية الظرف المطلق” للبحر؛ لما كان بإمكان هذه الكائنات أن يكون لها أي نوع من أنواع الوجود والتحقق أبدا.

ثانيا: البحر والأمواج.. لنعتبر البحر عبارة عن “أصل واقعية الوجود” والأمواج بمثابة الواقعيات الوجودية المحدودة لكافة الموجودات.

وعليه؛ فالأمواج التي من شأنها أن تظهر وتختفِي، وتأتِي وتذهب، وتوجد وتفنى في ظرفيْ الزمان والمكان المحدودين، وإن كانت هي عبارة عن واقعيات ووجودات متحققة بالفعل، غير أن وجودها وقيامها متكئ ومتوقف على الواقعية الوجودية الخارجية الثابتة والمستقلة للبحر، ولولا وجود وثبوت حقيقة هذه “الواقعية القيومية” للبحر بالنسبة لها (المقومة لحقيقة ذواتها ووجودها)؛ لما شمَّت هذه الأمواج رائحة الوجود والظهور والقيام أبدا.

ومن البديهي، أنه لم يكن ليتسنى لنا مشاهدة وجودات وواقعيات هذه الأمواج، وعلمنا اليقيني بوجودها، إلا بسبب اتكائها وقيامها على الواقعية الوجودية المطلقة للبحر فحسب، وليس على أية واقعية أخرى غيرها مطلقا.

ظهر لنا أنَّ وجود وتحقق الواقعية الثابتة للبحر، هي العلة والسبب الحقيقي لوجود وقيام هذه الأمواج، وأن حقيقة وذات هذه الأمواج ليست إلا عبارة عن فعل وتجلٍّ وظهور وآية[9] للبحر ليس إلا، وبعبارة أخرى فهي ليست إلا عبارة عن هُويات وجودية متعلقة ومرتبطة بعلتها البحر فحسب، فلا وجود ولا استقلال لها من دون هذا التعلق والارتباط الوجودي مع علتها، وبمجرد انقطاع هذه العلقة التي لها مع علتها، يصبح وجودها عدما واستقلالها زائلا.

وعليه، فلا يجب أن يفترض وجود الأمواج بمثابة واقعية أخرى لها وجود واستقلال بإزاء -في مقابل- واقعية البحر، ليصبح بذلك لدينا واقعيتان اثنتان، كل واحدة منها لها وجود واستقلال بإزاء الأخرى، بل ليست هنالك في حقيقة الأمر إلا واقعية واحدة فقط، تتمتع بوجود مطلق واستقلال تام، وكل ما عدها من واقعيات أخرى؛ فهي ليست إلا عبارة عن كائنات محدودة وهويات تعلقية.

المحصلة النهائية
إنَّ عِلَّة وجود كافة الواقعيات المحدودة “ممكنة الوجود بالذات” معلولة لوجود واقعية مطلقة لواجب الوجود بالذات وللذات، وواقعية واجب الوجود من صرف وإطلاق وجودها، غير معللة لأي وجود وموجود آخر غيرها.

وعليه؛ فالمقولة الصحيحة التي يجب أن تُقال هي: أن “كل معلول يحتاج للعلة” وليس “كل موجود يحتاج للعلة”؛ لأنَّ العِلَّة الأولى تتصف بالوجود والموجودية أيضا، لكنها في الوقت نفسه لا تحتاج لأية علة في وجودها، إذن فليس كل موجود معلولا.

وعلى ضوء منطق هذا المقال، فما يجدر أن يقال هو: إنَّ “كل واقعية محدودة وفقيرة بالذات” تحتاج في وجودها وبقائها إلى واقعية أخرى غيرها، وليس “كل واقعية” وبشكل مطلق -ومن دون أي قيد وشرط- تحتاج لذلك؛ لأنَّ “واقعية الوجود المطلقة الغنية بالذات” هي واقعية كذلك، ولكنها لا تحتاج في ذلك لأية واقعية أخرى غيرها إطلاقا.


[1] هذا البرهان قائم على  نظرية فلسفية تسمى “أصالة الوجود” والتي هي من إبداعات الفيلسوف الحكيم “محمد إبراهيم الشيرازي” الملقب بملا صدرا أو صدر المتألهين، فقد أتى ببرهان بديع متين قائم على هذه النظرية. وهذا المقال شرح وتوضيح لتقرير الفيلسوف “محمد حسين الطباطبائي” لهذا البرهان، خاصة ماكتبه من تقرير في كتابه “أصول الفلسفة المذهب الواقعي”.

[2] ذلك في مقابل وجوده وتحققه في عالم الواقع الداخلي، أي في عالم ذهننا، وذلك عبر طريق وجود صورة ومعنى ومفهوم ذهني له في أذهاننا عنه

[3] بمعنى أن علمنا بوجوده ليس هو على مستوى “الإمكان والإحتمال” فيصح لنا أن نقول: هل أن عالم الوجود موجود أو غير موجود؟ بل علمنا بوجوده هو على مستوى أنه يجب ويلزم أن يكون موجودا وغير معدوما.

[4] ويأتي هذا العلم والإذعان القطعي في مقابل ما يقول به التيار الفكري المسمى “بالسفسطة” والذي ينفي وجود وثبوت أي نوع من الواقعية لعالم الوجود الخارجي، ويعتبر العالم وما فيه عبارة عن أفكار وخيالات وأوهام ليس إلا.

[5] لا تحتاج لإقامة أي نوع من إستدلال عليها لشدة وضوحها.

[6] سيأتي بعض الشرح عن هذا في السطور القادمة.

[7]  )يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد  (. فاطر/ 15

[8] بمعنى أنه كما يوجد في ذاتها إمكانية تقبل الوجود، فإنه يوجد فيها إمكانية عدم قبوله أيضا، فهي ماهيات متساوية لطرفي كفتي الميزان بالنسبة للوجود والعدم. وهي فيما إذا خرجت ذاتها من دائرة الإمكان وإقتضت الوجود والتحقق، فهذا الإقتضاء لضرورة ووجوب الوجود والتحقق ليس لها من ذاتها، بل من “واجب الوجود بالذات”. وهذه الإمكانية حينها تسمى “بواجبة الوجود بالغير” أي أصبح وجودها وتحققها ضروريا ووجوبيا، ولكن بالغير وليس بذاتها.

[9] ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) فصلت – 53 و) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ( آل عمران  190، وآية ( يوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) النور – 25. بالتأمل في مضامين هذه الآيات ندرك أن هذه السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، هي فضلا عن كونها فعلا ومخلوقات “آيات” لله تعالى، فهي آيات وتجليات ومظاهر لذاته تعالى بالدرجة الأولى، قبل أن تكون آية وتجل ومظهرا لذواتها وأنفسها. فرؤيتنا لهذه الواقعيات والحقائق الوجودية المحدودة، هي في حقيقة الأمر عبارة عن رؤيتنا للواقعية الوجودية المطلقة لله تعالى في الأصل، وأن كل ما نراه ما سواه تعالى، فأننا نراه بالتبع – بالفرع – وبواسطته، وأنه بهذه الرؤية يجب أن يرتفع أمام أعيننا وألبابنا ونفوسنا غشاء الغي، ويتبين لنا أن ما هوموجود ومتحقق هنالك في عالم الواقع الخارجي هو “الحق” تعالى وأفعاله و صفاته و أسماءه ليس إلا.

 1,818 total views,  2 views today

Hits: 16