عمار الأمير

قاص من سورية


هَبَّ نَسِيمٌ دَافِئٌ يُبَشِّرُ بِمقْدَمِ الرَّبِيعِ، العصافير فرحة عاوَدَها نَشاطُها، وأنا فَرِحتُ مثلها بربيعِ بهيج جعلَ حديقةَ بيتنا ملوَّنةً كعلبة ألواني!

الأزهار البيضاء في شجرةِ الكرز تحوّلتْ إلى حباتٍ لامعة وجذابة بلونٍ أَحْمَر قَانٍ. 

كنتُ أراقبها وأنتظرُها أنْ تنضجَ.

سمعتُ من أمي: أنَّ الكرز هو حَب الملوك، لذلك أشعرُ عندما ألتهمُ حباتِه أني ملكة.

غرَّدَ عصفورٌ شقيٌّ بالقربِ من شجرةِ الكرز قائلاً بغرور: أنا عصفورٌ ذكيٌّ، أحبُّ طعمَ الكرزِ كثيراً، وأتمتَّعُ بنقرِها حتَّى وإنْ لم آكلْها.

سمعتُ ما قالَهُ العصفورُ، وحزنتُ كثيراً على كرزاتي

رجوتُه أن يتركَ شجرتي وشأنَها، لكنه ابتعد فأنشدتُ: 

هرب العصفور الذي سيسرق شجرتي

أين سيطير؟ أنا لا أدري 

عاليًا في الفضاء

أم قريبًا من الماء؟

هل سيعود ليلًا وأنا نائمة؟

أم صباحًا وأنا في المدرسة؟

هرب العصفور الذي سيسرق شجرتي 

متى سيعود؟ أنا لا أدري

عند ذهاب العصفور الشقي، قال عصفورٌ طيِّبٌ لنفسه: عليَّ التصرف بسرعة، فما فعله العصفور الشقي يسيء إلى كل العصافير، وقفَ على غُصنٍ قريبٍ من يَمّ، وغرَّدَ.

مددتُ يدي إليه، فحطَّ في كفّي، فوشوشني: 

 كلُّ العصافيرِ ضيوفٌ، وأنتِ صاحبةُ الشجرةِ، وليستْ جميعُها شقيةً، وأنا أعتذرُ لكِ عمَّا قاله العصفورِ الشقيِّ، إنهُ لَغارِقٌ في أَحْلامهِ، 

سأُخبِّئُ أنا والعصافيرُ حباتِ الكرزِ بينَ الأوراقِ حتَّى تنضجَ. 

بعد ان انتهت أخذتْ العصافير الطيبة تصيحُ صيحاتِ الفرح وطاروا يُغَنُّون مسرورين.

جاءَ العصفورُ الشقيُّ نافشاً ريشاتِهِ يريدُ التهامَ الكرزِ، والعبثَ بحبَّاتِهِ، بحثَ عنها، فلمْ يجدْها!

طلب من الريحِ أن تساعده بالبحث 

فسألته الريح: هل تلك الشجرةُ لك؟

أجاب العصفور: لا

هبَّتِ الريح على وجهه الذي أشاحه عنها: 

هل سمحتْ لكَ يَمّ أن تأكل من كرزاتها؟

قال العصفور حائراً: لا.

غضبتْ الريح واشتدتْ قائلة: هل من حقكَ أَنْ تعبثَ بحباتِ الكرز في شجرة يَمّ.

قال العصفور العنيد الذي يصرُّ على الخطأ: لا لا. 

تركته الريح رافضةً مساعدته.

فطلب من المطرِ أن يهطلَ على حباتِ الكرز، فيغسلها ويجعلها تلتمع ليراها

فسأله المطر: هل قمتَ بفلاحة تربة الشجرة؟

أجاب العصفور: بالطبع لا…أبوها ليَمّ من قام بفلحِ التربة 

بدأ المطر يشتدُّ وسأله: 

هل دعوتَ الله أن أهطل لأسقي شجرة الكرز؟

ردَّ العصفور الشقي: لا…أنا أستخدم جناحيَّ للطيران فقط، ولا أرفعهما للدعاء، لكني رأيتُ أمَّ يَمّ ترفع أكفها للسماء وتدعو الله أن ينزلَ مطر الخير لتنبتَ حبَّاتُ الكرز.

هطل المطر بغزارة قائلاً: 

اغرب عن قطراتي لن أساعدك.

اختبأ العصفور النادم من المطر واسْتَوْلَى عَلَيْهِ الحُزْنُ تلألأت دمعةٌ في عينيه وأنشد:

أنا عصفور مهمومْ

ضائعٌ بين الغيومْ

لم يساعدني المطر

لم تساعدني الريح

ليتني ما أغضبتُ يَمّ

ليتني أموتُ لأستريح

ومع بداية الصيف صارَ أشدَّ حزنًا عندما رأى يَمّ مبتسمة ومطمئنة على كرزاتها.

بعدَ أيامٍ نضجَتْ حَبَّاتُ الكرزِ، فطلبَتْ يَمُّ من أبيها أنْ يقطفَ الكرزَ، ويتركُ بعض الحَبَّات من أجلِ العصافيرِ.

عَلِمَ العصفورُ بما فعَلَهُ أصدقاؤهُ العصافيرُ، فاعتذرَ لهمْ، وشكرَ يَمّ على حَبَّاتِ الكرزِ التي تركَتْها له، ولأصدقائِهِ

قالتْ الشجرة ليَمّ: 

أنتِ ملكة الكرز.

 منذ ذلك اليوم والعصافير تُغّرِدُ كلَّ يومٍ أعذب الألحانِ على نافذتِها.


رابطة ثقافة الطفل العربي
– د. مصطفى عبدالفتاح رئيسا – سوريا
– الناقدة صفاء البيلي – مصر
– المدربة والكاتبة أمينة الرويمي – الجزائر
– الكاتبة والمترجمة أسماء عمارة – مصر
– التربوية الباحثة فاطمة الزعابي – سلطنة عمان

 2,047 total views,  2 views today

Hits: 109