الدكتورة فادية دعاس


كما كان لكل عصر وأوان ثقافة ومنهج تعليم وفكر تربوي معين مبني على أساس يخدم احتياجات المنطقة وسكانها وثقافتها واحتياجتها المستقبلية لبناء إنسانها وحضارتها ويخدم تطورها في كافة المجالات، من هنا بدأت قصص المناهج والنُهج التربوية.

بدأت المنطقة العربية كاملة بالنهج الجمعي التلقيني أو ما يسمى بـ(الكتاتيب) أو (الملا وطلابه) أو (العالم ومريديه) حيث كانت تعتمد على المعلم كملقن ومحفظ، والمتلقي حافظ ومردد، ومن ثم دخلت قليلا فقليلا مبادئ الكتابة والحساب.

وفي الطرف الآخر من العالم بدأ كنفوشيوس والتي كان إلى حد قريب جدا يعتقد أنها مبنية على التلقين والحفظ والسمع والطاعة وبناء العادات والمعتقدات والصينية الأصيلة وعادت معظم مناطق الصين في 2015 لاستخدام واتباع هذا النهج، لكن الحقيقة أن أساليب التعلم غيبا تتعارض مع الأفكار الحقيقية لكونفوشيوس في مجال التربية، ويقول شومان “لقد كان يشجع بقوة على النقاش وكان على اتباعه تكوين أفكارهم الخاصة”.

وتتسارع الخطى مع تقادم وسرعة الزمن للتطور، أشكال المدارس ابتداء من دور لرعاية الأيتام أو متضرري الحرب أو المدارس الداخلية لمن ينشدون التعليم الراقي لطبقات معينة، إلى المدارس العامة والحكومية، ومن ثم المدارس الخاصة بكافة مناهجها، وانجع مثال على المنهاج المساعد للأطفال والمتعلمين لهذه الفترة والتي مازالت ليومنا هذا تطبق وبفعالية، (المنتسوري) للطبيبة ماريا منتسوري في إيطاليا والتي طبقته بعد دراسات شخصية وقناعات تطبيقية مع فئات كثيرة من الأطفال، فهو منهاج يعتمد على تزويد وصقل المهارات الحياتية بناء على احتياجات المتعلم، ومساعدته على تطوير وبناء العضلات الدقيقة والتآزر الحسي العصبي العضلي.

من ثم  ظهر المنهاج الوطني البريطاني من (اكسفورد – كامبردج) والذي يعتمد بنسبة كبيرة على الكم المعرفي، وكذلك المناهج التعليمية الأمريكية المتعددة حسب  نظام الولايات التابعة لها (ماري لاند–كاليفورنيا ونورث كارولينا) وصولا بالحديث منها بما يسمى النواة المشتركة (common core)  والمرتكزة على فتح المجالات المعرفية المترابطة تحت عناوين بحيث تكون الخبرات التعليمية التعلمية كأنها موقف حياتي مترابط، مثال (رحلة لحديقة الحيوان) حيث يتعلم التلميذ اسماء الحيوانات وصفاتها كمادة للعلوم، وعد الأسراب من الطيور أو حتى أقدام الحيوانات كمفهوم الحساب، ومن ثم عمل موقف تمثيلي بين شخوص الحيوانات للمهارات اللغوية والاجتماعية والمعرفة الذاتية والتعاطف، ويحق للمعلم كميسر للتعليم أن يستخدم الوسائل المتاحة بيئيا لربط التعليم مع الواقع.

ولنا وقفة هنا مع منهج وأسلوب رائع في إعداد واستثارة بل وتعزيز الخلق والإبتكار والإبداع والذي يحمل في طياتها كل المتطور والعملي والحر أيضا، وهو مايسمى بمنهاج أو نهج (اميليا ريجيو) وهي كمواطنتها (منتسوري) إيطالية الجنسية، ترتكز وبل وتعتمد على حرية التعلم وحرية اقتناص وابتكار الخبرات التعلمية الشخصية لكل فرد على حِدَة، وحقا أنه نهج يجب على كل تربوي حق أن يستفيد منه كخبرات دائمة التطور والحداثة، مع تطور وحداثة كل الأجيال اللاحقة.

كخاتمة نهج المدارس تعليمية بدأت بالجمعي التلقيني وهو مما يتعامل مع الكل على أنهم نفس القدرات بل ومحدوديها، ثم مناهج التمايز بين ثلاث أو أربع مستويات بشكل عام، مبتدأ، متوسط ومتقدم، ومتقدم جدا.

وأخيرا وليس آخرا ظهر ما يسمى بمهارات القرن الواحد والعشرين في التعليم وبناء الإنسان، معتمدا هذا النهج على مهارات التكنولوجيا، مثال استخدام تقنية (الهيلوجرام)، والخيال، والإبداع العلمي، والإبتكار ليهيأ ويبني إنسانا متقنا ومسلحا بكافة المهارات التقنية لعصر قائم على التكنولوجيا في كل تفاصيل الحياة حتى البسيطة منها، متصفا بالعولمة والمواطن العالمي في العالم يفضل تلك التقنيات التواصلية الابتكارية التي جعلت من العالم مترامي الأطراف (كما نعلم) قرية صغيرة.

وحاليا بدأت المدارس بلا جدران (مثل فينلاندا) التعلم من الطبيعة، وخارج بناء المسمى مدرسة أو المعهد التعليمي، وهذا كما نعلم يتطلب بيئة جغرافية بيئية مناسبة (حيث يعترض من الطبيعة الجوية الموسمية) للبلاد العربية مما استعيض عنه ببناء محميات أو أماكن تعتمد على تهيئة بيئة مصطنعة في بعض البلاد العربية المتطورة واكتفى الآخرون بالرحلات المدرسية كمنهج مساعد.

وبعض المناهج اعتمدت على ما يسمى بـ (الصف المقلوب) حيث يعتمد الطالب على نفسه في إيجاد المعلومات بل والتجارب والتحضير للمناقشة والعرض في منزله ومن ثم العودة في اليوم التالي مع معلمه وصفه لمناقشة ما توصل إليه، وإن كان هذا الأنسب مع الطلاب لا التلاميذ الصغار.

ونعرج قليلا على المنهاج السويدي (كونسكاب سكولان) وترجمته تعني (مدرسة المفاهيم) المعتمد على تفريد التعليم، أي لكل طفل أو طالب احتياجاته وإمكانياته ورغباته الخاصة به التي تبنى على شكل أهداف بالتعاون بين المعلم والمتعلم ويتفق بينهما على الأسلوب والطريقة والمدة المخطط لها والمجدولة لتحقيق الهدف، ثم يقوم الطفل أو الطالب بتقييم وتقويم إنجازه وكمية تحقيقه للهدف.

ولقد حققت هذه المناهج الحديثة نجاحات في تنمية المهارات ورغبة الطلاب بالذهاب للمؤسسات التعليمية لشعورهم بالسعادة والإنجاز.

وما حدث اليوم من طفرة في أسلوب التعليم ونقله نقلة نوعية فجأة من أساليب التعليم التقليدية إلى تعليم عن بعد، عزز جدا مفاهيم المناهج الحديثة السابق طرحها أعلاه، وغير من مفهوم التعليم إلى مفهوم التعلم الفردي والمستقل، فكلنا نعلم معاناة الأهل مع الأسلوب والمفهوم التقليدي للتعليم، وكذلك معاناة المعلم التقليدي مهما بلغت مهاراته وكفاءاته التعليمية، ومع دخول التعلم عن بعد يحتاج منه محو أميته التكنولوجية ليس فقط استخدامها بكفاءة بل أن يكون صانعا مبدعا لأساليب ووسائل التعليم عن بعد، حتى يواكب عصر التكنولوجيا، ويتواصل مع الطلاب بلغتهم لغة العصر الرقمية.

Hits: 65