السيد قصي الخباز


إن عجلة العلم والتعلم كانت منذ خلق الله الإنسان بمختلف صورها، وطرق إدراك المعارف سواء كانت من مدركات العقل العملي، أم مدركات العقل النظري، وسواء كان هذا العلم حضوريا، أم حصوليا، مستمرة ومتصلة في شتى المجالات العلمية.

فلست في صدد الحديث عن طريقة حصول النفس على المعارف والعلم، فقد أشبعتها العلوم الفلسفية وعلم النفس الحديث كلاما وجدالا لم يحسم.

قال عز وجل: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ…) [1]

معرض حديثي في هذه السطور حول توظيف العلم بعد رسوخه في النفس، وقد تعمدت التعبير بكلمة (الرسوخ) لأبتعد عن أي جدلية ممكن أن تفهم من التعابير الأخرى مثل (الحصول أو الاكتساب أو التعلم …) وأحسب أن المختصين يعلمون ماذا أعني؟

كنت أقراء قبل أيام كتاب (الدين بين معطيات العلم وإثارات الإلحاد) للعلامة السيد منير الخباز وفقه الله.

وكنت مندهشا من المعارف التي يحتويها هذا الكتاب كما وكيفا، وقد امتلئ بالتنوع العلمي بين الفلك وعلم الجينات و قانون الوراثة والفلسفة الأولى و…

إلا أن ما زاد في دهشتي هو كيف استطاع رجل الدين جمع هذه المعارف والتمكن منها بحيث يوظفها في غرضه الأصلي وهو عنوان الكتاب

لابد من القول: بأن المؤلف شخصية متميزة موسوعية متمكنة من المعارف والعلوم التي تعرضها.

سوف أعرض لك عزيزي القارئ نموذجا لتكن معي في الصورة ولربما كان هذا النموذج مشوقا لك لاقتناء الكتاب.

قدم المؤلف ضمن فصول كتابه عنوان (علاقة الحياة بالمبدع الحي) ورأى بأن هذا العنوان لا بد من دراسته من جهتين أساسيتين.

الجهة الأولى: دراسة عناصر الحياة

الجهة الثانية: علاقة الحياة بالمعلومات

في الجهة الأولى قدم دراستين (دراسة بيولوجية ودراسة جوهرية)

في الدراسة الأولى قدم ثلاث نواحي للملاحظة هذا التسلسل لكي تدخل معي في جو الكتاب وسوف أقدم لك أيها العزيز نص الناحية الأولى:

” إن طول سلسلة DNA في أصغر خلية هو حوالي 2 متر ويوجد في جسم الانسان مئة مليار خلية، فيكون طول سلاسل جزيئات DNA في جسم الانسان حوالي 2 مليار كيلومتر، وهذا يساوي مقدار المسافة بين الأرض والشمس 1365 مرة وكل ذلك مستودع في الخلية الحية في جسم الانسان الذي يحسب أنه جرم صغير وفيه انطوى العالم الأكبر ولذلك! يقول القرآن:

( َفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)[2] ولم يقل : أفلا تعلمون، إذ هذه الآيات لا نصل إليها عبر التعقل و التأمل، إنما نصل إليها بالحس و التجربة و المختبر.”[3]

إن هذا المقطع المقتبس من كتابه فيه توظيف، وتبطين، ونتيجة، ومساحة للتأمل.

فتعال معي نستكشف هذه الأشياء

لقد وظف المؤلف الآية محل الحاجة ووضع الاستدراك عليها كمنبه للقارئ لأنه في معرض الحديث عن الجوانب العلمية المخبرية وموضع الربط هو في لفظ (تبصرون)

كما استبطن النص معنى لبيت من الشعر منسوب للإمام علي عليه السلام:

وتحسب أنك جرمٌ صغيرٌ   وفيك انطوى العالم الأكبرُ

وهذه المعنى يعطي القارئ مساحة من التأمل – كيف يمكن أن يختزن جسم الانسان هذا المقدار؟- لتصل للنتيجة بأن هناك مصمم حكيم قادر (اِبْتَدَعَ الأَشَياءَ لا مِنْ شَيْءٍ كانَ قَبْلَها، وَأَنْشَأَها بِلا احْتِذاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَها، كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ)[4]

هذا ما أردت بيانه في هذه السطور ولا أريد أن أحشو مقالي أكثر من هذا المقدار ولك مني ألف تحية أيها العزيز


[1] سورة البقرة آية 31

[2] سورة الذاريات آية 20-21

[3]  الدين بين معطيات العلم و إثارات الإلحاد، ص71، الطبعة الثانية 2018م

[4] مقطع من الخطبة الفدكية

 1,125 total views,  5 views today

Hits: 0