د. مريم بنت حميد الغافرية
باحثة وكاتبة في مجال الدراسات الأدبية والنقدية


سورة الإسراء من السور المكية، التي نزلت قبل الهجرة النبوية الشريفة، وارتبط نزول هذه السورة بحادثة عظيمة، وهي حادثة الإسراء والمعراج، ورقم ترتيبها في المصحف الشريف هو السابع عشر بعد سورة النحل، ويأتي بعدها سورة الكهف، فسورة مريم، فسورة طه، وهي كلها سور مكية متقاربة الطول وعدد الآيات نسبيًا، وتناظرها سورة يوسف في عدد الآيات، حيث تبلغ مائة وإحدى عشرة آية أيضًا. أما رتبتها في النزول فهي بعد سورة القصص، التي تأتي في ترتيب المصحف بعد سورة الإسراء بعشر سور.

سُميت سورة الإسراء بهذا الاسم؛ لأنها اشتملت على حادثة الإسراء، وتسمى سورة الإسراء (سبحان)؛ لأنها افتتحت بهذه الكلمة، وسورة (بني إسرائيل)، وهو اسمها الأول والمشهور بين المفسرين الأوائل، وهذه التسمية مرتبطة بأحد الموضوعات المهمة في هذه السورة، وهو موضوع بني إسرائيل، الذي تناولته السورة بطريقة جديدة ومثيرة حينما تتنبأ بمستقبلهم السياسي وإفسادهم وانتصارهم وهزيمتهم المحتومة على أيدي الموحدين. أما التسمية الأخرى التي اشتهرت بين المتأخرين وتعتمدها المصاحف الحديثة فهي سورة (الإسراء)، حيث الحدث الأول في هذه السورة، وهو إسراء النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

الإسراء في اللغة: الإسراء لغةً من سريت سرى ومسرى، وأسريت بمعنى إذا سرت ليلاً، وقد جاء القرآن الكريم باللغتين جميعًا فقال تعالى: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، وقال تعالى: (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا اليك فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم احد إلا امراتك انه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) ، وقال تعالى:(فاسر بأهلك بقطع من الليل) ، وقال سبحانه: (  وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ). وهنا للفائدة: ذكر الليل مع أن السُّرى لا يكون إلا في الليل. ويقول الدرويش: ” أن السبب في ذلك يعود إلى أمرين:

أولهما: أن الإسراء دل على أمرين أحدهما: السير، والآخر: كونه ليلا، و هو من الأفعال التي تتعدى وتلزم فيقال: أسراه وأسرى به مثل أخذ الخطام وأخذ به، وإنما قال تعالى (سبحان الذي أسرى…) وإن كان السراء لا يكون إلا بالليل، للتأكيد والسَّراء هو الكثير السرى بالليل، والسراية والسرية سرى الليل وهو مصدر، ويقل في المصادر أن تأتي على هذا البناء لأنه من أبنية الجمع، مثل مدية ومدى.

موضوعات السورة:
بدأت سورة الإسراء بتنزيه الله – تعالى – واختُتمَت بحمده وتعظيمه، وتضمنت الحديث عن حادثتي الإسراء والمعراج، وتناولت معجزة القرآن الخالدة بشكل مركَّز؛ حيث ورد ذكر كلمة القرآن في طيَّاتها (11) مرة، كما عرضت موقف المشركين ومؤمني أهل الكتاب من هذا القرآن، وأصَّلت كونه مصدراً للخيرية بشتى أصنافها، وكغيرها من السور المكية كان التركيز فيها كبيراً على شؤون العقيدة؛ فتكلمت عن التوحيد ومخاطر الشرك ومآل المشركين، وأدرجت جانباً من ذلك في تفصيلها للوصايا العشر الكبرى التي ورد ذكرها بنوع من الإجمال في سورة الأنعام؛ بدءاً من الآية (151) إلى الآية (153)؛ حيث وردت تلك الوصايا هنا بنوع من التفصيل؛ وقد بدأ ذلك من الآية (22) إلى الآية (39)، وأردفته بطَرَف من قصة آدم – عليه السلام – وإبليس، مشيرة إلى جانب من التكريم الإلهي للبشر، وأَتْبَعَته بأمثلة من صنوف الخروج عن ذلك التكريم، جلَّتها في المحاولات اليائسة والعروض الرخيصة التي سلكها الكفار طمعاً في إغراء محمد صلى الله عليه وسلم لثنيه عن تبليغ رسالة ربه والحيلولة دون صدعه بالحق، وكذلك لجوؤهم بعد القنوط من تغيير مسار الدعوة إلى ضروب التعجيز المادي السافل، وقد بينت السورة ما مُنُوا به إثر ذلك من الفشل والتخبط، كما ذكرت طرفاً من تاريخ إفساد بني صهيون وجِبِلَّتهم العنادية الماكرة كما وردت في مقدمة السورة، لتعود قبل خاتمتها بآيات إلى سرد جانب من تاريخهم، معطية خلاصة قصة موسى وفرعون، ثم ختمت بتعظيم الله – تعالى – وتنزيهه عن الشريك والولد وسائر صفات النقص ومشابهة الخلق.

أهم محاور السورة:
1- بعد الاستهزاء بشخص النبي صلى الله عليه وسلم والمعارضة الواسعة لرسالته، وتعريضه لحملات مغرضة، وبعد ما لاقاه من الأذية المفرطة من قِبَل المشركين جاء الأمر الرباني بتكريمه، والقضاءُ الإلهي بتوشيحه؛ فكانت معجزة الإسراء والمعراج في رحلة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، كان منطلقها بيت الله الحرام باتجاه المسجد الأقصى؛ لتحيي الوشائج العميقة بين المسجدين المباركين. يقول ابن عاشور: «والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد بناه إبراهيم – عليه السلام – كما ورد ذلك في حديث أبي ذر – رضي الله عنه – قال: (قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة»)، فهذا الخبر قد بيَّن أن المسجد الأقصى مَنْ بِنَاء إبراهيم؛ لأنه حدد بمدة هي من مدة حياة إبراهيم -عليه السلام – وقد قرن ذكره بذكر المسجد الحرام).

في رحاب المسجد الأقصى يؤم النبي صلى الله عليه وسلم جموع أنبياء الله من آدم إلى عيسى – عليهم السلام جميعاً – إيذانًا بانتقال الرسالة الخاتمة إلى هذه الأمة الخاتمة على يد رسولها الخاتم صلى الله عليه وسلم: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ليتوج تكريمه صلى الله عليه وسلم فيعرَج به بعد ذلك إلى سدرة المنتهى.

2- في الدين الجديد (الإسلام)  يكون التوحيد هو الأساس الذي تنبني عليه الحياة وتقوم عليه أسس التشريع وقيم الأخلاق ومبادئ التعامل: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً)، وفي هذه السورة يستبين أن هدي القرآن العقدي في أقوم الطرق وأعدلها؛ إذ هدى إلى توحيد الله – تعالى – في ربوبيته، وهدى إلى توحيده – تعالى – في عبادته وألوهيته، وهدى إلى توحيده – تعالى – في أسمائه وصفاته، حماية للإنسان الذي كثيراً ما وسوس له الشيطان وأغوته نفسه الأمارة بالسوء وأحاطت به غفلته؛ فأعرض عن ربه وكفر به وأَمِن أخذه وعقوبته، فلا يذكره إلا ساعة الشدة، فإذا خرج من الكرب عاد إلى غفلته وطغيانه  (إِذَاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا. و َإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً) أَوَلا يذكر المسكين أن الذي أدخله الكرب وفرَّجه عنه حاضر لا يغيب؟!

تتهاوى ضلالات الجاهلية أمام سلطان الحق، وتسقط العقائد الفاسدة التي اعتنقها أهل الشرك أمام نور الهدى، وتختفي أوهام الوثنية أمام سطوع الحقيقة، وتُفتضَح أقوالٌ: مثل نسبة البنات إلى قيوم السماوات والأرض: ( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا) )، وكالإعراض عن القرآن ومعارضته بالأكاذيب والأضاليل كذلك، وقد أقامت السورة الأدلة على تهافت تلك الدعاوى كلها، ونصبت البراهين على عقيدة التوحيد؛ بما تحويه من يقينية البعث والنشور والمعاد والجزاء، وذكرت سجود الملائكة لآدم وتعنُّت إبليس وعداوته لآدم ولذريته، ثم أعلنت دعوة الله – تعالى – للمؤمنين بالترفُّع عن غوغائية الدهماء وسفه الجاهلية، وأن يُمَرِّنوا أنفسهم على الاعتصام بالقول بالتي هي أحسن تحصناً من الوقيعة وغوائل الشيطان: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا”.

3- من لطف الله – تعالى – بهذه الأمة المباركة أن نبيها صلى الله عليه وسلم: وإن أيدت رسالته ببعض الخوارق إلا أن إعجازها لم يكن معتمدًا على تلك الخوارق حتى لا تكذِّب بها أمته فتهلك، كما هلك الأولون حين اعترضوا على الآيات وقابلوها بالعتو والاستكبار والتكذيب، بل جاءت هذه الرسالة المباركة بالعواصم التي يحفظ الله -تعالى – بها معتنقيها من عواقب التكذيب، فكان استحضار أنباء منازل الآخرة على نتائج امتحان الدنيا: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً. وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً).

4- لم يترك المشركون وسيلة إلا استخدموها لصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواصلة دعوته وصده عن سبيل الله تعالى، وفي إطار ذلك عملوا على إخراجه من مكة المكرمة من خلال ما عاملوه به من صنوف المضايقة بعد ما يئسوا من رجوعه عن دينه، وقنطوا من تخليه عن دعوته، وقد صرَّح القرآن بأنهم لو أخرجوه قسرًا لحاق بهم غضب الله – تعالى – و لعاجلتهم نقمته؛ كما هي سنة الله في سلفهم من الطغاة والمعاندين، وفي غمرة ذلك يضرب المصطفى صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الثبات على المحجة وإقامة الحجة تالياً كتاب ربه، داعياً إلى سبيله، مقيماً لعبادته، متوكلاً عليه لاهجاً بذكره ودعائه: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا. وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)، هكذا تكلؤه حماية الله – تعالى – بهذا القرآن من أذاهم، وتحفظه به من طيشهم؛ فلا يقرؤوه إلا ولَّوا عنه مدبرين:

( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا. وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا).

5- في إطار تفنن المشركين في محاولاتهم تعجيزَ النبي صلى الله عليه وسلم يستمر إصرارهم على مطالبته بالخوارق المادية؛ كتفجير الأنهار في أزقة مكة وتحويل جبالها إلى جنات وارفة الظلال ورمضائها إلى بساتين دانية القطوف… تلك المطالب التي ظلوا يراوحون بينها عتواً منهم واستكباراً وإعراضاً عن الإعجاز القائم بهذا القرآن عقيدة ومنهجاً وأسلوباً ومحتوى؛ ذلك أنه لو كان طلب الحق حاديَهم، واستظهار الصحيح محركَهم لاكتفوا بمعجزة القرآن الذي تضمن كافة أنماط الإعجاز ووسائله، ولا اهتدوا بما علموه وعايشوه وعرفوه عن شخصه صلى الله عليه وسلم؛ لكنهم ظلوا يصدفون عن الحقيقة: (وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً)، ومن المعلوم أن كثرة الخوارق لم تكن لتوَلِّد الهداية في النفوس المتمردة على سلطان الوحي، ولم تكن لتنشئ الإيمان في القلوب المنكرة، ولم تكن لتزرع التقوى في النواصي الجاحدة؛ إذ لو كانت تثمر شيئاً من ذلك في نفوس مريضة بالاستكبار، مائرة بالشهوات والشبهات كتلك، لكان بنو إسرائيل أهدى الخلق على الإطلاق؛ فقد ابتلاهم موسى – عليه السلام – وحدَه بما لا مزيد عليه من الخوارق والآيات والنُّذُر؛ فهل آمنوا أو استجابوا أو صدقوا؟

وبالجملة فإن السورة قد تمحورت بشكل عام في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم و ما حباه الله – تعالى – به من التكريم والتثبيت والعصمة، وما أيده به من المعجزات، كما أفاضت في تعظيم شأن القرآن بوصفه مصدر الهداية والنجاة، وقد نوَّهت بقضايا العقيدة وبيَّنت أسس التوحيد، وأعلت شأن فضل حُسْن التعامل وقيمة مكارم الأخلاق.

لقد أكدت السورة الكريمة أن في القرآن كافة عوامل القيادة والسيادة، وأن المستمسكين به ينزع الله عن نفوسـهم الوهـن ويبدلهـم به إيمانًا راسـخًا لا يعـرف تلكـؤًا ولا ينتابه تردُّد؛ بل يندفع صاحبه في سرعة ومبادرة مستجيبًا لأمر الله – تعالى – ونهيه؛ إنه الإيمان الذي يقوم على العبودية لله وحدَه: توحيداً وإخلاصاً واحتساباً وتوكلاً، إيمان يستسلم صاحبه لشريعة الخالق خُلُقاً ومعاملة في ارتواء دائم من ينابيع القرآن، وزاخرِ بحور السُّنة المطهرة؛ بهذا المنهج تدب الحياة في هذه الأمة المباركة من جديد، فيقود الوحي زمامها من غير اسـتعجال للنتـائج أو تجاوز لسـنن الله – تعالى – بإيمانها لتسير تحت رايته بخطى ثابتة تراعي الظروف وتأخذ بالأسباب:

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً)، يحدوها ذلك الإيمان الذي لا يتسلل إلى نفس صاحبه الانزلاق في أتون الترف والفسوق اللذين هما الخطوة الأولى في درك الفساد والتردي إلى الزوال والاندثار: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا). لقد صاغت هذه السورة وصايا عظيمة جمعت كل وسائل العصمة من الزلل، وشملت كافة مقومات الاهتداء إلى الرشاد؛ استهلتها بالتوحيد الخالص وختمتها به، لارتباط كمال الاستقامة به، ونسج حزام النجاة من أهدابه. وصايا حازت أعدل الأحكام وأوضح الحِكَم؛ فالتوحيد هو الذي يجعل رابطة الناس بربهم شديدة، وصِلَتهم به وثيقة، وتعلُّقهم به كاملاً، فيعلمون أنه – تعالى – خلق الخلق وحدَه ليعبدوه شرك أو شريك، ويوحدوه ويمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه، وهو وحده العالم بما يصلحهم، وهو وحده مسبغ النعم الظاهرة والباطنة، وهو وحده من يستمد منه سلطان الحق صدقاً وثباتاً، وهو وحده الذي يدحر الباطل ويزهقه، وهو وحده الموفِّق لعباده المؤمنين إلى الإحسان في المعاملة والتلطف في القول والسداد في الدعوة حتى تصير الكلمة الطيبة شعارهم: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا). ويعتقدون أنه لا كاشف للضر إلا الله وحده ولا نافع سواه ولا راد لقضائه؛ فكل ما سواه مربوب مقهور خاضع لجبروته وسلطانه: (قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا)، فيعبدونه وهم موقنون أنه وحده من حبا البشر بالتكريم وأفاض عليهم من سوابغ نعمه من بين سائر مخلوقاته؛ فكرَّمهم في هيئتهم ونطقهم، وكرَّمهم بفطرتهم، وكرَّمهم باستعداداتهم وميولهم، وكرَّمهم بمسؤوليتهم عن أنفسهم؛ فجعلهم مكرمين مشرَّفين إن أعزوا أنفسهم بالانقياد لأمره، مهانين حقيرين إن أذلوها بالإعراض عن الهدى وارتموا في أحضان بهيميتهم: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً. يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً. وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً).

على الرغم من أن المشركين وقفوا مشدوهين أمام هذا القرآن عاجزين عن الإتيان بما يشبه الآية الواحدة منه فإنَّ تبلُّد الإحساس عندهم جعلهم يتجاوزون إعجازه المتجسد في شمولية منهجه وبلاغة نُظُمه وجمال أسلوبه – وهم أهل الفصاحة والبيان – إلى تلمُّس خوارق مادية تافهة، متشبثين بعقيدة فاسدة، وتصور منحرف بنوه على فكرة خاطئة مقتضاها أن الرسول لا ينبغي أن يكون من جنس البشر، متجاهلين أن الخيرة بيد من له الخلق والأمر وحده يسبغها على من يشاء من خلقه: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا. وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا. وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً)، ومتناسين أنه ما بعد الآيات المادية إلا الإيمان أو الهلاك: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا).

لقد نوهت هذه السورة في ختامها بذلك الجمهور العريض من أهل الكتاب الذين بادروا إلى الدخول في الإسلام فور سماعهم لهذا القرآن؛ فاستقبلوه بقلوب مفتوحة لهدايته، ونفوس قد حازت من العلم ما عرفت به قيمته وطبيعته، فأذعنت في خشوع وآمنت في استسلام: (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً. وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا). ومجمل القول في هذه السورة: إنها اشتملت على كثير من التوجيه والتسديد والأخبار المسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه من بعده، وأنه لم يكن بدعًا من الرسل في تعرُّضه للإعراض والأذية كما لم تكن أمته في ذلك بدعًا من الأمم؛ فما أُرسِل رسول ولا اهتدت أمة إلا وتعرضت للاستهزاء والابتلاء والتكذيب؛ لكن نصر الله – تعالى – ما يلبث أن يأتيهم فتكونَ لهم العاقبة، ولمخالفيهم الخسران والبوار، إن ثبتوا على الحق، ولم تُغوِهم عنه المغريات، ولم تُزحزحهُم عنه الزوابع؛ فَحَمَلة الحق عرضة لظلم الجبابرة واضطهاد الطغاة وهدف لأطماع المناوئين والمنافقين والمخلِدين إلى الأرض، ولكن وعد الله لهم بالنصر والتمكين والاستخلاف قائم ما استمسكوا بالحق وثبتوا عليه وانتهجوه في نفوسهم وسَعَوا إلى إقامته في الخلق (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ).

 459 total views,  2 views today

Hits: 67