أنيسة الهوتي


خاطبني مغاضباً: أشلون تناديني صالح؟ ماقلتلج مثلما أنا أناديج أنسنس أنتي تناديني صلحلح!

أنا: طيب يا صلحلح، لاتزعل خلاص آخر مرة

هو: وإمتى راح تجين البحرين؟ تراني مشتاق لج أنسنس وأحس إني بموت قريب

أنا: بعيد الشر عنك، عسى عمرك طويل

هو: والله أنسنس، تراني بالمستشفى مرقد ووضعي مو طيب والله

أنا: إن شاءالله بحاول أجي البحرين في أقرب فرصة وأجي أزورك بالمستشفى مثل آخر مرة

هو: تصدقين، لما جيتي قبل جم سنة تشوفيني مع الأستاذ عصام على طول اليوم الثاني تصحصحت وطلعوني من المستشفى

أنا: طيب، وهالمرة اوعدني إنك راح تصحصح قبل ما أجيك عشان ماريد أزورك بالمستشفى، أريد أزروك البيت ونطلع نتغدى ونتعشى ونتمشى ونتسوق بسوق المحرق وارجع المطار بالليل

هو: إيييه، هههه مثل ذيج المرة لما كتبنا المعلقة الشعرية وسوينا الأمسية ويا ربعنا كان يوم حلو، بس تعبتج معاي كثر ما دزيتي الكرسي المتحرك مالتي

أنا: لاوالله دزيته بس مرتين ولا ربيعك ما مقصر طول الوقت يدز

هو: أنسنس

أنا: هلا والله

هو: أقوللج

أنا: آمرني

هو: أوعديني بتيين وما تحرميني من شوفتج، أبي أشوفج قبل ما أموت

أنا: أوعدك، بس انت اوعدني لا تذكر الموت تراني أتحسس وازعل

هو: خلاص خلاص، اوعدج ما بطري الموت

الحوار كان في شهر مارس عام 2019م

ومعَ بِداية كل شهر كان يرسل لي صالح المادح رسالة يسألني فيها متى سآتي إلى البحرين، وكنت أعده بأنني سآتي قريباً ليس مجاملة ولكن فعلاً كانت لدي نية السفر إلا أن الظروف لم تكن رفيقةً بي، فقد كنت أمرُ بفترة صعبة أيضاً ولكنني لم أحب أن أشرح له ما أمر به لأن حجم الحب الكبير الذي كان في قلبه لي ماكان ليتحمل معرفة مصاعبي، وهمومي، وألامي، وتحدياتي.

ومع كل رسالة أكتبها له يرسل لي رسالة صوتية، يطلب مني أن أردَ عليه برسالة صوتية وليس رسالة كتابية لأنه يحب سماعها قبل النوم، ويشعر بالحنان والهدوء والطُمأنينة مع سماعها. فأحياناً أرسل له كما يطلب وأحياناً أطلب منه أن ينتظر قليلاً لأني مشغولة ولا أستطيع أن أرسل صوتية حالياً، وفي الواقع الأوقات التي كنت أعتذرُ وأطلب منه تأجيل الرد الصوتي بسبب كوني حزينة، او مرهقة، أو تَعِبة وكنت أعلم بأنه سيشعر بتفاصيل ما أمر به من خلال سماعه لصوتي وإن كنت أمثل الفرح وأقهقه ضحكاً، إلا أنه كان يشعر بي أكثر من نفسي. وحتى لا أتسبب له بألم وهَم، واسلبه راحته التي يتمناها أحاول أن أرضخ صوتي للفرح والسعادة ثم أرسل له.

في ديسمبر 2019م حدثني بإتصال صوتي، وكان هذا نادر الحصول، وقال لي بأنه يريدني أن أرتب أموري وأذهب إلى البحرين الشهر القادم أي شهر يناير 2020م لأنه يريد أن يعرفني بشخصين، الأول صديق جديد ويريد أن يعرفنا على بعض، والأخرى فتاة يريد أن يفاتحها على موضوع الزواج ولكنه يخشى أنها ترفض بسبب إعاقته الشديدة.

فأخبرته: بسوي المستحيل يا صلحلح، وبجيك البحرين حتى لو أنزل من طيارة الصباح وأرجع بطيارة المساء

هو: إيه، بس أهم شي تاخذين البوردينغ معاج للرحلة الي تطلع من البحرين

أنا: أكيد، لاتوصي حريص، تراني خبرة في المجال

هو: إييه، أدري أنسنس بس قلت أذكرج عشان ماتنسين أنا آدري أنج موظفة طيران

أنا: سفر وسياحة

هو: ايه ايه، ورياضة بعد، وكاتبة، وشاعرة، وبزنس “وومان”، وأحن قلب في العالم كله

أنا: وزيدني بعد، لين ينفخ راسي مثل البلون وأطير ههههه

هو: بعرفج على ربيعي اليديد والله ضروري، انتي قلتي لي انج تحبين مسلسل طفاش صج؟

أنا: أيوا، كثييير احبه، وكلما اتضايق اشوفه وأرتاح نفسيا هههه

هو: خلاص، أنا بعرفج على طفاش بكبره هو ربيعي

أنا: يعني تغرييني بالجية؟

هو: لالا، أبي أفرحج أنسنس

أنا: الله يفرحك دنيا وآخرة، إن شاءالله ولا يهمك بضبط أموري وأجي

هو: أخاف تسوينها فيني كل مرة، توعديني وتخليني معلق!؟

أنا: هالمرة صجية

هو: تراني بموت وانا محروم شوفتج يا أنسنس، وكله بسبتج!

أنا: لا تسوي لي “إموشن بلاك ميل يا صلحلح” ههههه

هو: إذا ما جييتي أتمنى أموت بيوم ميلادج

أنا: يعني عقاب، عشان ما أفرح

هو: إييه

أنا: ترا يوم الميلاد ما يفرح، لأنه يذكرنا أنا كبرنا خلاص وشيبنا هههههه

 

وطبعاً يناير 2020 لم أستطع السفر حسب المتفق عليه بسبب الظروف التي نحن في غنى عن ذكرها، وكان صالح المادح كثير الحزن على وفاة الفنان علي الغرير “طفاش”، وعلى كل يومين وثلاث يرسل لي أنه يشعر بأن قلبه مفطور، وأنه لازال يتمنى رؤيتي ولكنه متفهم للوضع الحالي الذي نمر به.

وفي شهر فبراير سافرت إلى نيجريا مع الطاقم الفني الدولي لبطولة أفريقيا لرفع الأثقال، وعندما رأى صالح أول صورة لي في السنابتشات أرسل لي نفس السؤال: متى تيين البحرين أنسنس؟

أنا: بعد نيجريا إن شاءالله

هو: تراني بموت بيوم ميلادج

أنا: الله يطول بعمرك، لا تطري الموت يا صلحلح

هو: طيب يوم قبل أو يوم بعد، عشان ما أخرب عليج فرحتج

أنا: صلحلح؟؟ “وات إز ذيس؟”

هو: خلاص خلاص، ما بطري الموت، أنتظرج تيين البحرين وأشوفج إن شاءالله

أنا: ايوا، كذا الكلام الجميل، إن شاءالله تعالى وبإذن الله تعالى بنلتقي قريب

 

وطبعاً، دخل علينا وباء كورونا ومنع حركة السفر ..إلخ

وتوقف صالح عن الإرسال لعدة أيام، وأيضاً عن إستقبال رسائلي!

وفي تاريخ 10 أغسطس 2020م وصلتني رسالة من أستاذي وأخي عصام كمال يبلغني بأن صالح أعطانا عمره اليوم.

و فعلاً، تُوفي صالح قبل بيوم من تاريخ ميلادي.

 

يــُتبَع،،،،

 191 total views,  5 views today

Hits: 13