الدكتور محمّد ياسر زكّور

طبيب وباحث في تاريخ العلوم الطبّيّة- من سورية


بسم الله الرحمن الرحيم

أحبّائي الأطفال؛ أعتقد أنّكم سمعتم عن المخطوطات؛ وسأعرّفكم ما هي المخطوطات؟ وماذا يعني تحقيق المخطوطات؟

المخطوطات يا أحبّائي هي الكتب المدوّنة بخطّ اليد، فقبل مائتي عام تقريباً لم تكن الطباعة، فكانت جميع الكتب الدينيّة والتاريخيّة واللغويّة والعلميّة إنّما تكتب بخطّ اليد من قِبل مؤلِّفها، أو من قِبل من يريد نسخها واقتنائها.

والمخطوطات العربيّة الإسلاميةّ منتشرة في جميع أنحاء العالم، فلا تخلو مكتبة من مكتبات الجامعات في كلّ الدول العربيّة وغير العربيّة من آلاف المخطوطات، وإذا أردنا تقدير عدد المخطوطات العربيّة الإسلاميّة فهي بالملايين.

وإنّني باعتباري مهتمّاً بتحقيق المخطوطات الطبّيّة؛ فأستطيع أن أخبركم بأنّ اهتمام مكتبات العالم بهذه المخطوطات واقتنائها إنّما هو لأهمّيّتها؛ فالمخطوطات العلمية العربيّة تعتبر لبنة الأساس في جميع العلوم؛ الطبّ، والهندسة، والفلك، والرياضيّات، والزراعة، وغيرها من العلوم، فلذلك كلّ العالم يحافظ عليها بكلّ وسيلة لكي تبقى على مرّ الزمن مصدر العلوم كافّة، وتتطوّر هذه العلوم مواكبة لتقدّم العلم واكتشاف ما هو جديد.

ومن هذه المخطوطات اخترت أن أعرّفكم على إحداها، وعلى مؤلّفها؛ فهذه المخطوطة التي أمامكم صورتها هي من كتاب في علم الجراحة لطبيب عربيّ مشهور جدّاً كان في القرن الخامس الهجري، أي الحادي عشر ميلادي- وهو مؤسّس علم الجراحة واسمه أبو القاسم الزهراويّ، عاش في قرطبة بالأندلس.

وكتابه هذا اسمه (الزهراويّ في الطبّ لعمل الجرّاحين) يحتوي على جميع العمليّات الجراحيّة في الجسم والتي هي من ابتكاره، مع أسماء الأدوات الجراحيّة التي استعملها وصورها في الكتاب، والمخطوطة التي ترونها هي إحدى نسخ مخطوطات هذا الكتاب المنتشرة في جميع بلدان العالم، وهي نسخة الخزانة الحسنيّة في المملكة المغربيّة.

 

 

 

 

 

 

 

وهذه صفحة من نسخة منها محفوظة في مكتبة برلين بألمانية وتظهر فيها صور الأدوات الجراحيّة:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

والآن أعزائي وأحبابي الأطفال أعرّفكم ما هو التحقيق؟ التحقيق يا أحبّائي هو أن يحصل المحقّق الذي يريد إحياء الكتاب الذي يرغب بنشره وتعريف الناس به، وبما أنجزه أجدادنا، ليكون حافزاً لنا في السير على طريق العلم.

وإنّني قمت بتحقيق العشرات من الكتب الطبّيّة، وكان هذا الكتاب (الزهراويّ في الطبّ لعمل الجرّاحين) من ضمن هذه الكتب؛ فحصلت على بعض مخطوطات هذا الكتاب؛ منها النسخة التي ترونها من المغرب، وغيرها من ألمانية، ومن الهند، ومن إيران، وتركيّة، وبريطانية.

والتحقيق يا أبنائي هو أن يقوم المحقّق بمقارنة وتصحيح النسخ مع بعضها ليثبت ما جاء في الكتاب على أكمل وجه، لأنّه قد تقع أخطاء، أو نقص لسهوِ بعض النسّاخ، فيكون ما وضعه المحقّق أكمل ما يكون الكتاب.

ثمّ يا أحبابي يحاول المحقّق في تحقيق المخطوط أن يشرح ما ورد فيه من كلمات قد تكون غامضة على القارئ في عصرنا، وذلك لبعد الزمن بيننا وبين المؤلِّف، فيشرح ما تعنيه الكلمة الغامضة في زمن المؤلّف، ويحاول تقريبها من العصر الحالي.

لذلك يا أحبابي يحتاج كلّ نوع من المخطوطات إلى مختصٍّ بالعلم التي هي تتحدّث عنه؛ أي الطبيب يحقّق المخطوطات الطبّيّة بعد أن يكون قد أتقن كيفيّة تحقيق المخطوطات، وعالم الفلك كذلك، والمهندس، والعالم في اللغة، كلّ يحقّق في اختصاصه.

وبعد الانتهاء من التحقيق يطبع الكتاب وينشر ليكون بين أيدي الناس ليتعرّفوا على حضارتنا العربيّة الإسلاميّة، وعلى العلوم التي تركها لنا أجدادنا وحفظوها لنا بتدوينها بأيديهم، وسهروا الليالي لإنجازها.

وهذا المخطوط الذي ترونه؛ انظروا جمال الكتابة، ورونق الزخرفة الذي هو عليه، وانظروا العبارات التي بدأها المؤلِّف أبو القاسم الزهراوي بقوله: ” لمّا أكملت لكم يا بَنيّ هذا الكتاب الذي هو جزء العلم في الطبّ بكماله، وبلغتُ الغاية فيه من وضوحه وبيانه… إلخ.”

أرجو أن تكونوا قد عرفتم الآن ما هي أهمّيّة المخطوطات العربيّة الإسلاميّة، ودورها في تقدّم الحضارة العالميّة، وأن تكونوا عرفتم أهمّية دور التحقيق للمحافظة على ما تحتويه هذه المخطوطات من كنوز علميّة.

وأنتم يا أحبّائي سيأتي دوركم باستلام مشعل نور العلم الذي بدأه أسلافنا، فيقع على عاتقكم حمل هذه الرسالة للأجيال القادمة لتسلّموها لهم، كما استلمتموها ممن سبقكم. والله الموفّق، والسلام.


رابطة ثقافة الطفل العربي
– د. مصطفى عبدالفتاح رئيسا – سوريا
– الناقدة صفاء البيلي – مصر
– المدربة والكاتبة أمينة الرويمي – الجزائر
– الكاتبة والمترجمة أسماء عمارة – مصر
– التربوية الباحثة فاطمة الزعابي – سلطنة عمان

 146 total views,  2 views today

Hits: 18